أخبار النبطية

أبو العبد “النبطانيّ” يدير دكّانه بنعمة البصيرة والتكنولوجيا

كتب كامل جابر في موقع مناطق:

منذ 22 عامًا، افتتح “أبو العبد” دكّانه عند زاوية من زوايا حيّ البياض في مدينة النبطية، في المنطقة الوسطى من الحي، بعدما يئس من وظيفة محتملة انتظرها 11 عامًا، لواحد من أصحاب الاحتياجات الخاصّة. سرعان ما تأقلم مع جيرانه الذين ترعرع بينهم وصار شيئًا فشيئًا يفقد ملامحهم ثمّ ألوانهم، حتّى أضحى لا يراهم أبدًا، بينما ظلّ يميّزهم من أصواتهم أو حتّى من أنفاسهم.

لم يكتفِ كمال رضا “أبو العبد” بما تيسّر لتكوين دكّان في الحيّ، يبيع الأغراض اليوميّة لسكّانه الذين راحوا يتبدّلون، يغادرون، ويتجدّدون أو يتشعّبون، بل أدخل التكنولوجيا إلى متجره المتواضع، الكمبيوتر، ومع تفاقم الانهيار الاقتصاديّ، أدخل برامج صوتيّة يعرف من خلالها ما ينقصه من أغراض باعها وبضائع، ومن احتساب النقود التي يقبضها، “بعدما فقدتْ قيمتها ولم يعد للألف ليرة من مكان في العدّ والاحتساب، ويكاد الانهيار يلحق بالخمسة آلاف والعشرة آلاف ليرة، والعشرين”. يقول أبو العبد.

بانتظار وظيفة لم تأتِ
قبل خيار الدكّان ظنّ كمال رضا أنّ ثمّة تقديرًا فعليًّا لأصحاب الاحتياجات الخاصّة في هذا الوطن “الدكّان”، حسبما كان يسمع من تصريحات المسؤولين، خصوصًا بعدما أنهى دراسة “الليسانس” في مادّة التاريخ في الجامعة اللبنانيّة، وأنّ ثمّة وظيفة تنتظره، لكن، ظلّ ينتظر سنة تلو سنة، حتّى انقضى عقدٌ ووجد نفسه يدخل عالم الانتظار مجدّدًا في عقد آخر، وكان لا بدّ من قرار إنتاجيّ، فنصحه أقرباؤه بفتح الدكّان، و”كان ما كان”.

يقول أبو العبد لـ “مناطق نت”: “تعلّمت في الجامعة اللبنانيّة حتّى حصلت على الليسانس في مادّة التاريخ، في كلّيّة الآداب الفرع الخامس في صيدا سنة 1994. كنت أرغب في استكمال الدراسات العليا، لكنّني شعرت بأنّني بتّ اشكّل عبئًا على أهلي، فلماذ لا أتوظّف؟ حاولت على مدى 11 سنة وانتظرت الوظيفة ولم تأتِ”.

ويضيف: “أنا ابن عائلة فقيرة، وممّن في حالتي يحتاج إلى ثلاثة خيارات كي يحصل على الوظيفة: أن أكون ابن عائلة ذات مشاريع تجاريّة مختلفة ومنها السياسيّة. أو أن أكون قادرًا على دفع مبلغ ماليّ معيّن للنافذين ضمن إطار المرجعيّة. أو ابن عائلة فقيرة مثل حالتي، لكن يحتاج إلى وفد تطبيل وتزمير وعدّة زيارات إلى وجيه المنطقة السياسيّ كي تثبت أنّك صاحب حظوة عائليّة تفيد في الانتخابات والتصفيق، والخيارات الثلاثة لا أملك منها شيئًا”.

الدكّان ومعمعة الانهيار
جاء الدكّان خيارًا أخيرًا ليكوّن أبو العبد مصدرًا إنتاجيٍّا مستقلًّا “والحمدلله، هي لا تغني لكنّها تستر وتشكّل نوعًا من الاستقلاليّة الماليّة، هكذا بدأت منذ 6 تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 2002 ولا زلت مستمرًّا، لكن في هذه السنوات الاثنتين والعشرين تبدّل حيّ البياض وتغيّرت الوجوه وكذلك سكّان الحيّ، نشأت أبنية، غادر معظم الكبار الحياة، ترك الشباب مرتع الطفولة وكوّنوا عائلات جديدة في خارجه، وأتت أجيال جديدة، لكن من يدخل إلى دكّاني من القدماء أو الجدد، أميّزهم من أصواتهم، صغارًا كانوا أم كبارًا” يقول كمال رضا.

أبو العبد: منذ 6 تشرين الثاني سنة 2002 تبدّل حيّ البياض وتغيّرت الوجوه وكذلك سكّان الحيّ، نشأت أبنية، غادر معظم الكبار الحياة، ترك الشباب مرتع الطفولة وأتت أجيال جديدة، لكن من يدخل إلى دكّاني من القدماء أو الجدد، أميّزهم من أصواتهم، صغارًا كانوا أم كبارًا.

أربك الانهيار الماليّ والاقتصاديّ صاحب الدكّان، إذ لم يدرك أنّ التلاعب بالأسعار والدولار يمكن أن يؤثّر في دكّان متواضع داخل حيّ شعبيّ “خصوصًا أنّني لم أكن معتادًا بعد على هذا التطوّر السريع في الأسعار، إذ يأتي أناس ويشترون كلّ ما عندي، فأفاجأ في اليوم التالي بأنّ الأسعار “طجّت” (ارتفعت بسرعة) ومن دون معرفتي، خسرت في البداية، استوعبت وصرت ألاحق الأسعار وأتابع طلوع الدولار أو نزوله، حتّى استقرّت الأمور”.

ويتابع: “اليوم، هناك أشياء خفّ بيعها كالزيوت النباتيّة والسمن والحليب والحلاوة والطحينة وغيرها، ولاحقًا أوقفت بيع بعض المواد أو شرائها، مرّ وقت طويل حتّى استوعبتِ الناس الفكرة. قبلها كان ثمّة “قلع” (بيع كثير) يوميّ، اليوم تبدّل الأمر إذ يمرّ وقت طويل كي أبيع سلعة من الزيوت أو السمن أو غيرها”.

نعمة البصيرة والتكنولوجيا
راح أبو العبد لاحقًا، يبحث عن وسيلة تعينه في الدكّان، لجهة إحصاء البضائع، ما ينقص منها وما يحتاجه، وكذلك لجهة احتساب النقود التي يقبضها من الزبائن “بعدما فقدتِ النقود قيمتها وصرتُ مضطرًّا لعدّ كمّيّة كبيرة من المبالغ الأوراق، فلجأت إلى الكمبيوتر”.

يشغّل “صاحبنا” الكمبيوتر في أوقات الفراغ أو الضرورة، “لا يمكن أن أستمرّ من دون جهاز كمبيوتر وهاتف جوّال، أتوه من دونهما؛ فعلى الكمبيوتر شغل الدكّان، الأسعار، الأصناف، متابعة الأخبار ومواقع التواصل، ربّما من دونه أشعر بالضياع، عندي جهاز “آيفون” وخطّ اتّصال، لكن أميل نحو الكمبيوتر أكثر، أحبّه أكثر” يقول.

ويضيف: “كنت أبيع على الثقة والمعرفة، لكنّهما لا تكفيان، لا يمكن أن تترك للثقة كلّ شيء، بات الأمر يحتاج إلى مزيد من الانتباه والتدقيق واحتساب النقود المدفوعة إليّ، صرت أعرضها أمام جهاز التلفون من خلال برنامج ناطق بأسماء النقود وقيمتها”.

يشغّل “صاحبنا” الكمبيوتر في أوقات الفراغ أو الضرورة، لا يمكن أن يستمرّ من دون جهاز كمبيوتر وهاتف جوّال، يتوه من دونهما؛ فعلى الكمبيوتر شغل الدكّان، الأسعار، الأصناف، متابعة الأخبار ومواقع التواصل، ربّما من دونه يشعر بالضياع، عنده جهاز “آيفون” وخطّ اتّصال، لكن يميل نحو الكمبيوتر أكثر.

لا يقتصر تشغيل الكمبيوتر في دكّان أبي العبد على حسابات الدكّان فحسب، بل يتابع بعض مواقع التواصل الاجتماعيّ، “على “فايسبوك” و”يوتيوب”. و”صرت أتواصل مع حسابات يعود أكثرها لصحافيّين وكتّاب ومحلّلين وغيرهم. قبل ذلك، في شهر كانون الأول/ ديسمبر 2023 كتبت كثيرًا وعبّرت عن رأيي باندفاع حول الصهيونيّة والقوى ضدّ المقاومة، فربّما جرى التبليغ عنّي، حتّى تمّ إقفال حسابي الذي بدأت الكتابة عليه والمتابعة منذ كانون الثاني/ يناير 2017″.

قبل إقفال حسابه على “فايسبوك” وصلته رسائل تنبيه وتحذير إلى أنّ حسابه معرّض للاختراق، “طُلبت منّي معلومات للتأكّد من أنّني صاحب هذا الحساب ثمّ صورة شخصيّة، ولأنّني لا أرى ربّما قمت بردود غير مناسبة فجرى تغييب حسابي واقفاله”.

يقول: “أسفتُ على حسابي الذي صُودر أو أُوقف، وعليه منشوراتي التي جرى حذف الكثير منها قبل إقفاله، فأعدت تكوين حساب جديد وصرت أتحاشى التعبير عن رأيي الصريح أو الواضح”.

فقدان نعمة الضوء
وعن علاقته بالكمبيوتر وكيفيّة متابعة النصوص والمقالات، يقول أبو العبد: “أستخدم برامج ناطقة لمعرفة ما يكتب على الشاشة، إذ لم أعد أرى مطلقًا. كنت سابقًا أرى بعض الملامح وليس التفاصيل وكنت أعرف الأشخاص نوعًا ما، وأميّز الأبيض من الأسمر، اليوم أميّز المتحدّثين من خلال الصوت فقط”.

ويحكي عن تجربته في فقدان نعمة الضوء: “يقول أهلي إنّ نظري كان طبيعيًّا حتّى عمر ثلاث سنوات، وقد تابعوا وضعي في الجامعة الأميركيّة في بيروت، وكانت العمليّات التي أجريت لي فاشلة، بقيت بعدها أرى الألوان، الفواتح منها والغوامق، النور والسماء والبحر والقمر، ثمّ صار نظري شحيحًا، حتّى عمر 18 سنة، صرت لا أميّز بالغوامق حتى نحو سنة 2004، بقيت أرى قليل الضوء ثم انعدمت الرؤية”.

الحرب نحن أولادها
لا يقلقُ “دكنجيَّ” حيّ البياض الوضعُ الأمنيّ القائم حاليًّا على الحدود، ويسمع ضجيجه إلى النبطية، يقول: “أنا من مواليد العام 1968، ولدت أيّام الحرب، وكنت أسمع من أهلي عن القصف على مخيّم النبطية للّاجئين الفلسطينيّين منذ مطلع السبعينيّات، ثمّ عشناها في القصف المباشر الذي كانت تتعرض له النبطية منذ العام 1974 ولسنوات طوال، يعني نحن اعتدنا على الاعتداءات الإسرائيليّة وقاومناها، كلّ بأسلوبه”.

في عدوان العام 2006 بقي كمال رضا وعائلته في النبطية أكثر من أسبوعين، “ثمّ استأجر أهل زوجتي بيتًا في بعلشميه، فلحقنا بهم. لا أظنّ اليوم أنّ أيّ منطقة في لبنان يمكن أن تكون بعيدة عن الاعتداءات الإسرائيليّة، هذا العدو لا يحيّد أحدًا، لذلك أنا صامد مع عائلتي وزوجتي وولديّ عبد الناصر وياسمينا”.

يعتزّ كمال رضا بأنّه عضو ناشط في “جمعيّة الكفيف الجنوبيّ- بيت النبطية” وأنّه واكبها منذ تأسيسها في العام 1992 بل وشارك في تأسيسها، وبيت الجمعيّة الدائم في حيّ البياض لا يبعد عنه سوى أمتار قليلة. يشارك في نشاطاتها واحتفالاتها وفي استقبال الوفود الزائرة وإلقاء الكلمات الترحيبيّة، وتربطه برئيسة الجمعيّة السيدة فاطمة إيراني صلة عائليّة وثيقة، فهي ابنة خالته من جهة وكذلك ابنة عمتّه من جهة أخرى، ويعملان جنبًا إلى جنب لرفع شأن الجمعيّة ومواصلة مهامها وخدماتها.

زر الذهاب إلى الأعلى