أخبار النبطية

النبطية تكرّم الرائدة سلمى علي أحمد في أربعينيتها – كامل جابر

النبطية تكرّم الرائدة سلمى علي أحمد في أربعينيتها

وسام التميز والإبداع من بلدية النبطية تقديراً لعطاءاتها

وسام التميز والإبداع إلى عائلة الفقيدة

احتشدت أمس جمعيّات النبطية وأنديتها وبلديتها وفاعلياتها المختلفة لتكرّم الرائدة المربية سلمى علي أحمد إبراهيم في ذكرى مرور أربعين يوماً على رحيلها، بعدما تفانت في العطاء وشيدت مع رفيقات دربها صروح الثقافة والتربية والدفاع عن حقوق المرأة.

وحضر نائبا النبطية محمد رعد وناصر جابر وحشد من رؤساء الأندية والجمعيات والفاعليات الثقافية والتربوية والأكاديمية والأدبية وممثلي البلديات والمختارين الذين غصت بهم قاعات جمعية تقدم المرأة في كفرجوز، النبطية.

المجلس الثقافي الجنوبي

الإعلامي كامل جابر متحدثاً

تحدث أولاً رئيس فرع المجلس الثقافي للبنان الجنوبي في النبطية الإعلامي كامل جابر فقال:

“ نخشع أمام عتباتكِ البيض ونتلو صلاة الشّوق

نعانق دمكِ المغروسَ في وجداننا زهراً أرجوانيّاً

بُحّ يا فصلَ الأعيادِ بترانيمِ الحبِّ الذي دار

من وجدها تتراقص شقائقُ النعمانِ في الحقول

من قال إنّ المرجَ المحروثَ بالتعبِ يبور؟

إنَّ عرَقَ الزرّاعِ يَنبت في التربةِ العفراء

فما عساها إنْ رشّحَها هطلُ السماء؟

إنَّ زرعكِ الأصيلَ يا نديمةَ السهول

يَنبت حنطةَ حُبٍّ زادُها لكلّ الفصول…

وها نبعُكِ الرقراقُ من فيضه يفور..

السادة الحضور

انخرطتُ قبل بزوغ الثمانينات في الحركة الكشفيّة في النبطيّة وفي العمل التطوّعيّ، وكان لا بدّ لمن يخوض غمار النشاطات الكشفيّة والتربويّة والاجتماعيّة، أنْ تشكّل له السيّدة سلمى علي أحمد قدوة تُقتدى. فهي كانت شعلةً لا تنطفئ، بعدما كرّست الحيّز الكبير من قدرتها على العطاء لأجلِ التربيةِ والطفولةِ والحركة النسائيّة، وفي كلّ موقع يصلح لأنْ يشكّل منطلقاً إنسانيّاً اجتماعيّاً تثقيفيّاً، وموقعاً لإعادة تشكيل الأجيال على أسسٍ أو عناوين وطنيّة وتربويّة وإنسانيّة.

في أواخر الثمانينات دخلتُ عالم الصحافة، بكلّ ميادينه، في وقت كانت النبطيّة تخوضُ حروبَها اليوميّة في مواجهة الاعتداءات الإسرائيليّة التي كانت تصيبُ البشرَ والحجرَ والروحَ، وكانت السيدة سلمى علي أحمد تلك الشعلةَ التي تضيءُ حولها نحو أوسع مدى، واكبتُها من حجر الأساس الذي زُرعَ في هذا المكان، إلى حين صارَ صرحاً عالياً نعبُّ من مائه العذبة جميعاً، كلَّ صنوف الثقافة والفنون والتربية الحضانيّة والاجتماعيّة، واللقاء الدّائم من أجل بيئة اجتماعيّة إنسانيّة أفضل.

تحيّةً إلى روح الرائدة الحاجّة سلمى علي أحمد إبراهيم التي ستبقى تحلّقُ بيننا، في كلّ لقاء حول تربية الأطفال وحضانتهم وتعليمهم، حول حقوقِ المرأة وتقدّمها، ودورها الرياديّ في تطوير مجتمعها، حول كلّ نشاط ثقافيّ وفنّيّ وتربويّ واجتماعيّ. حول هذا المركز الموقع المنارة، جمعيّة تقدّم المرأة في النبطيّة، وقد آل إلى أيدٍ أمينة، ورفيقات درب يبذلن المستطاع من الوقت والجهد من أجل العطاء والاستمرار، من أجل نبطيّة برّاقة على نواة درر، وجنوب منفتح يتساوى فيه بَنُوه بالحرّيّة والتعبير والاختيار، من أجل وطن يعتزّ بأبنائه المعطائين الخيّرين المبدعين، من أجل كلّ الكفاح الذي بذلته العزيزة الحاجة سلمى علي أحمد في سبيل الجميع والإنسانيّة والجمال، نُهدي إلى روحها كلَّ شكر وتقدير.

باسم المجلس الثقافيّ للبنان الجنوبيّ، في المركز وفي النبطيّة، وقد آلمنا كثيراً غياب المربّية الرائدة سلمى علي أحمد، بعد مسيرة حافلة بالعطاء والتفاني، في سبيل نهضةِ مجتمعها ورعايةِ الطفل باعتباره اللُّبنة الأولى في التأسيس لوطن متقدّم حضاريّ، إن أجدنا تربيَتَه على القيم المُثلى، وفي الدفاع عن المرأة ودورها الوطنيّ والمحلّيّ، كونَها الشريكةَ الأساسَ في التربية والتعليم والتثقيف والدفاع عن الكرامة الإنسانية والمجتمعيّة.

نتقدّم من عائلتها ومن جمعيّة تقدّم المرأة في النبطيّة بأسمى آيات العزاء، فلها واسعُ الرحمةِ، ولكمُ الصبرَ والسلوان، ولنا في ما تركته من رصيدٍ ثقافيّ وتربويّ واجتماعيّ وإنسانيّ، ملءُ الأملِ في الاستمرارِ على خطاها، حافظين لها كلَّ تقدير وحبٍّ وامتنان”.



تقدم المرأة

المربية زهرة صادق رئيسة الجمعية

وألقت رئيسة جمعية تقدّم المرأة في النبطية المربيّة زهرة صادق كلمة الجمعية فقالت:

“يعزّ علينا اليوم، جمعيّات وأندية في مدينة النبطية، وعلى الأحبّة المتحلّقين حول ذكراك، أن نرثيك، وقد كنت حجر الزاوية في جميع لقاءاتنا.

النبطية الثكلى اليوم، والمشرئبّة شموخاً وعنفواناً، كنتِ شمسها وقمرها. سطّرتِ أحداثها الحلوة. من الصعب أن أتحدّث عن الحاجة أم أكرم وهي غائبة عنّا. فكيف أتحدث عن مسيرة ستين عاماً من العمل الدؤوب في خمس دقائق؟

تطلّ علينا الذكرى وهي أليمة، لأن من نتذكر كبير، خالد خلود الجبال الراسيات.

من كان يدرك أن صاحبة القلب الكبير أصبحت أسيرة لحد، يضيق عن وسع الجسد، لكنه القدر ينسلّ على حين غرّة فيعيث بالرواسب، كما الرياح العاتيات في النواحي الخاليات.

ستون عاماً من العمل والبذل والعطاء. ستون عاماً مضت، بما فيها من صعاب، وتعب ومثابرة. فلسوف تبقين مشعلاً وضّاءً ومدافعاً عنيداً عن حقوق المرأة.

ومما لا يعرفه الكثيرون عنك، مواهب متعددة، تأليف اسكتشات، ومسرحيات تحاكي الوضع الصعب الذي يعاني منه البلد.

كنا نقيم حفلاً خاصاً بالجمعية بتمثيليات من تأليف الحاجة وتدريب لطلاب المدرسة الرسمية. رفيق علي أحمد ومروان الشامي من اكتشاف الحاجة أم أكرم.

صوت رخيم، حنون، جميل، لم تترك أم أكرم باباً إلا وطرقته للوصول إلى الهدف. إنها امرأة الزمن الصعب، حملت بين حناياها صفحات ناصعة، مكللة بالغار والياسمين، تفوح منها عطور ولا أحلى. إنها حكاية نضال وعمل دائب من أجل رفعة الفرد والوطن. فهل نوفيك حقّك في هذا التأبين؟

لا لست رقماً يضاف، ولا معادلة يحسب لها حساب، إنما أنت الوجود والطهر، والإيمان والعبق المالئ الأرض والسماء. أنت الإنسانية بكل أبعادها.

قرابة ستين عاماً وأنت شاخصة شخوص المارد، تبذلين، تعملين، تكافحين، تقاومين من أجل رفعة المرأة في هذا المجتمع. تسلّمتُ رئاسة الجامعة منك، ولكن الظروف اختلفت. كانت أيامك صعبة، حيث المليشيات والتهديد والحرب، والقصف الإسرائيلي العشوائي على بلدتنا الحبيبة، فكنت تأتين من لبعا مرتين في الأسبوع لتشرفي على أعمال الجمعية. وكان هذا الصرح الذي ننعم فيه اليوم، وحجاره لو نطقت لأجادت التعبير عن مكنوناته.

كنت مخزوناً من الطاقة والهدوء. قدرة على الصبر وعلى استيعاب الناس بحكمتك، وطول باعك، وإيجاد عذر لكل منّا. ناصرتِ القضايا النسائية بصلابة، وتركتِ أثراً لا يمّحى، وإرثاً لا يثمّن.

غابت شمسك عن مدينتك النبطية. فيا من رسمت لجمعيتنا في فكرك النيّر خريطة من اللامعقول، فاستعدت أحلامنا ووزعتها في مساحة ضميرك الحيّ.

جئتك اليوم بكلّ الوفاء، وبفطرة النساء لأحييك بلا قيود ولا مجاملات، ولأقول بأن احتفال تأبينك ما هو إلا تظاهرة محبّة ناطقة بالتقدير لإنسانة أحبت الناس فأحبّوها، إنسانة مميزة معطاءة مقدامة، اقتحمت المساحات والدُّور، كنت واثقة الخطى فما زلّ منك لسان ولا قدم، وكان ذلك سرّاً من أسرار نجاحك. كنت نهجاً ومدرسة وطاقة تضجّ بالعطاء.

يمرّ على صفحة الزمن أناس لا تسمع لهم صوتاً، ولا تختلج العين من جانبهم بقبس، وتكاد تكون الحياة قد قذفت بهم في جوفها، فهم من لحدها في مهد، ومن مهدها في لحد. لكنّ سيدتنا غير هؤلاء، إنها تجسيد للحياة بكلّ أبعادها، إنها رمز لحركة الزمن المتغيّر، إنها العطاء، أثرت وما ثارت، وهبت وما نالت، ضحت لآخر رمق في حياتها.

لقد نال منك القدر، وهذه مشيئة الله في خلقه، إنها الحياة ببعديها، فكلنا إلى نفس المآل. ولنا بالرسول الأكرم ولائحة الأطهار خير عزاء، ولعائلتك ومحبيك الصبر والسلوان”.

بلدية النبطية

الحاج صادق إسماعيل يلقي كلمة البلدية

وألقى عضو المجلس البلدي لمدينة النبطية الحاج صادق اسماعيل كلمة رئيس البلدية الدكتور أحمد كحيل فقال:

” كنا في عمر يافع يوم بدأنا نسمع باسمها، وبأسماء نسوة من النبطية حلّقن في التربية والتعليم والحياة الاجتماعية المجتمعيّة، وفي النضال السياسي، والمزاوجة بين التربية والثقافة والسياسة الاجتماعية. نساء رائدات ساهمن بجدارة واتقان وإخلاص، في تطوير مجتمعاتهن وتكريس دور المرأة في التقدم والتنمية الحضارية. منهنّ مع حفظ الألقاب والمراتب: سلمى علي أحمد المربية التي نلتقي في صددها اليوم، فريحة الحاج علي، ليلى نصّار، ثم دلال عباس لها طول العمر، وغيرهن كثيرات كثيرات. والنبطية في عقودها الخمسة الأخيرة، مرّت عليها ظروف أمنيّة شاقّة وصعبة، منها ما تعرضت له من اعتداءات إسرائيلية متكررة، لعبت في تبديدها والتخفيف من وطأتها سيدات وأمّهات ومعلّمات ومربيّات وأديبات ومبدعات في الفنون التشكيليّة والشعريّة..

ما يلفت في سجلّ المربّية الرائدة الحاجّة سلمى علي أحمد إبراهيم الحافل بالعطاء، أنّها كانت سيّدة صابرة طويلة الباع والتصميم، مُلهمةَ التصرّف والابتكار، أخذت على نفسها مهمّة تعزيز دور المرأة في التربية والتطوّر الاجتماعيّ والإبداعيّ، مع ثلّة من رفيقات الدّرب، لكنّها تفرغت أكثر منهنّ إلى هذه المهمّة الشاقة عن سابق إصرار وتصميم، وتحمّلت ما تحمّلته، خصوصاً في عملية تشييد هذا الصّرح المميّز بأدواره وعطاءاته، لا سيّما وأنها انطلقت من نقطة الصفر، ولم تترك باباً إلاّ وطرقته، حتى صار ما صار عليه اليوم. وقد تعرضت لضغوطات قاسية، ولقيل وقال، ولم تسلم من كثرة العصيّ في دواليب العمل والاستمرار، وبرغم كلّ ذلك استمرّت، ويوم وجدت أنّها أتمّت مهمّتها على أكمل وجه، سلّمتِ الأمانةَ إلى زميلاتٍ جديراتٍ وركنت قليلاً إلى الراحة، ولم تركن، حتّى غادرتنا بهدوء تامّ إلى بارئها، بكفّ بيضاء وقلبٍ نقيٍّ طاهرً…

عاصرت المربيّة الراحلة الحاجة سلمى علي أحمد، بلديّات عديدة متتالية في النبطية، منذ أواسط السبعينيّات وحتّى تاريخ رحيلها، وكانت تجد وقتاً كافياً للتنسيق مع هذه البلديات في أمور كثيرة، من أجل تسيير العمل وتبديد المشقات والصعاب، في دُورِ الحضانة تارة، وفي مختلف المناسبات الوطنية والاجتماعية والاحتفالية والنشاطات على تنوّعها مرّات ومرّات، وكانت تتقن الحوار وخلق الوقت للحوار، وذلك لإيمانها بأنّ الانفتاح والتعاون يصبّان أولاً وأخيراً في نجاح العمل وفي تعميم مفاعيله وغاياته على أوسع شريحة ممكنة.

لن تكفي الكلماتُ مهما طالت لتعداد إرث الحاجة “إم أكرم” الذي تركته فينا، على مرّ نحو ستة عقود من الزمن، لكن يمكننا القول: إنها كانت ثورةً في إمرأة، استطاعت من خلالها بناء الإنسان من مهد الطفولة وحتى ريعان العطاء، ودعم صورة المجتمع النّبطاني نحو ألوان أجمل ووضوح أجدى، وتعزيز دور المرأة ونضالها في تطوير الحياة الاجتماعية والتربوية والثقافية والإنسانية، وقد أفلحت بذلك على خير وجه.

إنّ بلدية مدينة النبطية، التي أوكلتني شرف التحدث باسم رئيسها الدكتور أحمد كحيل وأعضاء مجلسها، قرّرتْ منح الراحلة الرائدة المربّية سلمى علي أحمد إبراهيم، وسام “التميّز والإبداع” تقديراً لما أحدثته في مجتمعها من تطوّر نوعيّ، وعطاءاتها في التربية والتعليم والحياة الثقافية الاجتماعية، وفي تعزيز دور الإنسان وفتح آفاق الإبداع أمامه على أكمل وجه”.

بعدها سلّم اسماعيل الوسام لابنتها أمل جعفر إبراهيم وشقيقها فوزي علي أحمد.

رابطة المتقاعدين المدنيين

الأديب هاشم إبراهيم وكلمة المتقاعدين


وبعد قصيدة للشاعر مصطفى حوماني قدمها المربي علي توبة باسم رابطة المتقاعدين المدنيين في محافظة النبطية إلى عائلتها، ألقى الأديب هاشم إبراهيم كلمة باسم الرابطة جاء فيها:

“في ذكراك أيتها الفاضلة الحنون، هل أعود إلى صباي، إلى الماضي البعيد، إلى أصائل الشاي في بيتنا في الدوير، لمّا كان شمل الأعزاء يلتئم حول القصائد؟ آنذاك كانت الأفئدة تتفتح على وسعها تحت ظلال البخار ورنين الأكواب وهديل الشعر. وكنتِ ما بين فواصل الدهشة وعلامات الحبور تتنقلين على أزهار الخيال، فإذا الغرفة ربيع ممتد إلى ما لا نهاية، حتى لو كنّا في عز الشتاء. آنذاك كم كنتُ أودّ لمّا كنت تُقبلين زائرة مع رفيق دربك أبي أكرم، كم كنت أودّ أن أبتكر لكما وأنتما على العتبة ضحكة الباب واندهاش الخشب.

ذاك المكان، يا سيّدتي، في البيت ذاته وفي الغرفة ذاتها، ما زال ينتبه ما بين الحين والحين إلى الأيام الخوالي ولهذا يقوم منهمكاً يرتّب الطراريح، وينفض الغبار عن المقاعد، يعالي الشاي وهو يردّد بما يشبه صوت الغائبين:

فالشاي عن أبي عدنان نكهته من طيب أنفاس من عالى ومن سكبا

وقد تلفّع بالبشكير مؤتزراً كمحرم أمّ بيت الله محتسبا

هكذا يقف المكان على العتبة محدّقا بالفراغ، غير أنّ الفراغ ما يلبث أن يمتلئ بأطيافِ من رحلوا.. الجُّلاّس هُمُ هُمُ.. الأشعار تعلو بأصوات أصحابها. تصغي لذاتها، رقراقة كانت الأشعار تدْفق من حناجر الجدران، يغمض عينيه المكان كيلا تغادرهما الصور وقد رحل الراحلون وبقيت أصواتهم تبحث عنهم في الكتب، في الشرفات، في الممرّات، في فراغ المقاعد وفي عبق النسيان، إلى أن ينهمر من بين ضلوع الذكريات حبرُ أقلامهم وضحكات العيون.

ذاك المكان المكتظّ بالآس، سوف لن يكفّ عن الحنين. فهل ما زلتِ تفكرين في ترويض المجازات وتأخذين بشجاعة المؤمن بتلابيب الممكنات؟

فكم كان الغامض أمام عينيك أشدّ وضوحاً من ضحكة النهار، وكم أطبقت أجفان القلم كيما يرى في إغماضة الحلم الصرح المشتهى لجمعيّة تقدّم المرأة.

لقد فاضت دموع الكلام من عينيك على وجنات الورق مشروعاً قد صار حقيقة رغم أنف القلق. فهل كان ذيّاك البريق خلبيّا أم أنّه كان على موعد عند شرفات الغيم مع المطر الغزير؟ أنتِ يا سيدتي التي أغرقتِ عطش الفكرة في دموع التعب. وأنت التي سرّحتِ أيائل الأفكار في سهوب الأنفس الخضراء.. فما أكثر أخطاء الطريق إن كان جاهلاً لأبجدية السعي…

هل تعبتِ؟ هل يتعب الوقت؟ تعب الوقت وأن لم تتعبي.. حتى عندما يكون السهر متّكئاً على كتف النعاس، كنت تفكرين بمشروع يفرح الناس.

حول قبرك اليوم، أحلام تطوف، لها ثقل الصخور وأوجاع التراب، غير أنّها تحمل في أيديها شموعاً لا تنطفئ، حتى في موتك حدث إشعاع مهيب أدهش الليل. يا صاحبة الصوت الأبيض، يا أغاني الأطفال عند نوافذ الفرح، بماذا وشْوَشكِ التراب لمّا توسّدَ خدَّك السطرُ الأخير في الحكاية؟ فيا أحضان الأرض اتّسعي، ومسّدي بيدك التحنان أعمار أحلامها، فهناك على المنضدة أوراق تفكّر ودفاتر تحلم، وأقلام تكفكف دمع المفردات. فكم كان يلزمك عمر آخر ليفتح المدى على مصراعيه لما لا يحصى من القناديل.

سلمى علي أحمد إبراهيم

لا يغتسل القحط إلا بمطر المحبّة، فهي كانت ذلك المطر.

وكأنها من يوم أن حطّت على زهرة الحياة ارتدت ثوب النحلة الزاهي.

في قلبها أجمل المطارق، مطرقة الحب، فحيثما صادفت وثناً يعيش على الجهالة أعملت به المطرقة حتّى لا يبقى منه أثر، هي صاحبة الشمس، أفكارها آشعة، فحيثما حلّت، حلّ الضوء، طريقها من قبل أن يفكر بالمسير يتحسّس رأسه كيما يتأكّد أن الملائكة تحفّ بأفكاره.

بالأبيض الأبيض، ومن على شرف رؤاها دهنت جدران العتم، لم تحنها الريشة ولم يتكاسل في يدها اللون، فكان رأسها في ربيع دائم مهما عصفت من حوله الأعاصير.

سلمى علي أحمد

أقرب الغيوم إلى الأرض

صبا الزهرة ونضارة الحلم

شيخوخة البرعم على فنن الصبا.

نافذة ستظلّ مشرّعة على العطر ولو بعد ألف عام.

سنديانة وضعت اليوم رأسها على كتف آخر الحلم ثم أغمضت عينيها كيما تراه طفلاً يناغي الفجر في سرير أحضانها.

الأستاذ ماهر الحاج علي يتحدث باسم العطاء المميز

هيئة تكريم العطاء



وتحّدث المربّي الفنان ماهر الحاج علي باسم هيئة تكريم العطاء المميز، ومما جاء في كلمته:

“أعاصفة عبرت ليبقى منها في جمعية تقدم المراة صعق الدويّ؟ أوردة معطاء أردتها شرور الزمن الرديء، فانطوت مطمئنة إلى أريج تركت وتضوعات عبر؟

يا ست الكلّ، يا كلّ المهابة والحكمة والثقافة والوقار

يا معلمة الأجيال وبانية الصرح العامر،

يا خير سيدة بالسيرة والعلم والمسار والمسيرة،

يا حضوراً وهاجاً مستحباً حيثما نزل وحل وارتحل

يا قدوة في التربية والاجتماع والمحبة،

يا مفعمة بالطهر والوفاء والشهامة…

يا من سافرت على عجل.. رحماك، لو تمهلت قليلاً، فنحن على موعدك الأخضر كما عودتنا في كل لقاء قريب.. لينتظرك قبلنا صغائر الحضانة وورودها.. أنهم من حفظوك، حضنوك في مقل العيون، سيجوا المحبة حولك بأهدابهم وجعلوا مهجهم لك مرتعاً نديّاً.. صوتك الحبيب اعتدناه وألفناه، ووجهك الصبيح مطبوع أبداً في سواد عيوننا، وأحاديثك الشجية يرنّ رجعها في ذواتنا.

يا أنيسة المجال، ويا من يصدق فيك قول الأمام علي عليه السلام: “خالطوا الناس مخالطة إن متّم بكوا عليكم، وإن عشتم حنّوا إليكم”.

أيتها الصديقة الغائبة الحاضرة في ذاكرة كلّ من أحببت ومن أحبك، مررت كسحابة في سمائنا، غيثها روى العقول وضياؤها سطع على مساحات الدروب. لك من المناقب والفضائل ما تضيق به مساحات التعبير.

أشهد أن شوقنا إليك كبير كبير، لا يحدّه مدى ولا يطويه زمن.

إنّ نجمك لن يأفل، وإن الشعلة التي سلمتها لرئيسة وعضوات الجمعية الكريمات، لا تنطفئ، وأن اسمك التقيّ البهيّ سيبقى ساطعاً مدويّا في رحاب مدينتنا والوطن.

إنّ هيئة تكريم العطاء المميز التي أولتني شرف التكلم باسمها في هذه الذكرى المهيبة تشاطركم الحزب والأسى، لكم جميعاً منها ومني جميل الصبر المرير والسلوان وللراحلة الغالية الرحمة”.



حماية البيئة والتراث

الكاتب حسن جابر

وألقى الكاتب حسن جابر كلمة هيئة حماية البيئة والمحافظة على التراث في النبطية، فقال:

“النبطية قلب جبل عامل، هذ الجبل منجم عزيز لأصحاب الفكر والعطاء.

السيدة سلمى علي أحمد إبراهيم ابنة هذا الجبل هي كنز عطاء وأيقونة لا تقدّر بثمن، لقد زرعت الخير والمحبة في عملها فحصدنا عطاءها الذي ما زال قائماً وحيّاً في ذاكرتنا وسيبقى بعد وفاتها رمزاً وأنموذجاً للأجيال القادمة.

لقد سعت إلى ما تحلم به لتصل إلى حقوق المرأة وتقدّمها وذلك بنشر الوعي عند النساء من خلال أسلوبها المتميز وإدراكها وإيمانها بهذه الحقوق. كانت تؤمن بدور المرأة الحقيقي كما أراد لها الله أن تكون، عملت على التوجيه لمعرفة الحقوق والواجبات مع المساواة بين الجنسين التي تتحقق فقط عندما تحظى النساء بذات الفرص المتاحة للرجال وتتمتع بالحقوق كافة وتقع عليها الالتزامات ذاتها في جميع مناحي الحياة..

تحية لك أيتها المضيئة، أنت ينبوع يتلو آيات الماء هادراً بالحب والعطاء من أجل الإنسانية.

فألف سلام عليك، وتحية في حياتك وفي مماتك..

نحن في جمعية حماية البيئة باسمنا وباسم العموم من أهالي النبطية نقدّم أبلغ التحيات للفقيدة الفاضلة الحاجة أم أكرم. سائلين المولى أن تستمر جميعة تقدم المرأة على خطاها فلأمثالها تصدح في فضاء الوطن موسيقى الحياة وتقرع لهن الأجراس”.



العائلة

وختاماً ألقت ابنة الفقيدة سلمى علي أحمد السيدة أمل جعفر إبراهيم كلمة العائلة، جاء فيها:

“ماما.. سوف يؤلمني أن أرددها في غيابك

ها أنا ذا يا أمي ومعلمتي وقدوتي، في مركز جمعية تقدم المرأة، ثمرة جهدك ونضالك مع رفيقات دربك.. حيث يقام حفل التأبين في أربعينية غيابك.. وها هي وقائع حفل التكريم، حيث تداعت الكلمات والخواطر والذكريات، وشهدت بمحبتك لكلّ الناس في بلدك، تشيعين البشر والألفة، وتعطين من شغاف قلبك: الكلمة الطيبة، والبسمة الحانية، والفرحة الحميمة. فالعطاء عندك حياة بلا أبعاد، وعمر بلا أيام وساعات.

الشمعة تذوي، وتذبل الوردة، وينتهي عمر الإنسان عاجلاً أم آجلاً، والذي يبقى هو المحبة، والسيرة هي التي تستمر، ولا تفنى العطاءات. وأنت يا أمي دنيا من المحبّة… وعصيّة على الموت والغياب عطاءاتك. فسلام عليك ثابتة في القلب ومخلدة في الوجدان… وأنتم يا أحباب فقيدتنا ومحبيها، يا من أتيتم في يوم تكريمها من البعيد والقريب، أشكركم من القلب…

بإسمي وبإسم أخويّ أكرم وعلي، وبإسم عائلة إبراهيم وعائلة علي أحمد، أتقدم بالشكر والامتنان من الهيئات الكريمة التي نظمت ودعت وشاركت في هذا التكريم، والشكر والامتنان قليل والله. فسلام عليكم جميعاً وشكراً شكراً شكراً”.

تصوير: مصطفى الحمود

تصوير: المختار محمد بيطار

زر الذهاب إلى الأعلى