أخبار النبطية

الهريسة أبرز العادات العاشورائية… محبّة ومشاركة وطعام الفقراء

كتبت رمال جوني في صحيفة نداء الوطن:

يحيى الشيعة لبنان ذكرى عاشوراء انتصار الدم على السيف، والنبطية عادة ما تحيي المناسبة بعمل مسرحي عاشورائي يجسد واقعة ألطّفّ بما تحمله من رسائل ثلاثية الابعاد. السياسة الدينية التاريخية في آن، والتي أرست قواعد مهمة في بناء الدولة واركانها، ومحاربة الفساد والظلم ولو كان بالدم. هذه الملحمة التاريخية التي استشهد فيها ابن بنت رسول الله محمد وآل بيته، انما هي مداد على مرّ الازمان والتاريخ.

ما أشبه اليوم بكربلاء، فساد، بطش، ظلم، انهيار في اعمدة الدولة، فقر وغيرها، مآس كثيرة يعيش تحت وطأتها الناس اليوم، هم انفسهم الذين يبكون الامام الحسين ويعاهدونه برفض الذل، هم انفسهم ايضاً، الذين ذَلّوا انفسهم على محطات المحروقات وافران الخبز والدواء من دون اي اعتراض.

لم تترجم عاشوراء واقعاً على الارض، رغم ان الغرب يقتدي بالكثير من نظمها وقوانينها، فهي فرضت العدالة، الدفاع عن الحق، مواجهة الظالم ولو كان اقوى، هذه القوانين لم تغير مفاهيم الناس على مر السنين، بقيت عاشوراء سواداً وبكاء، ولم ترتق في نفوس شريحة واسعة نحو تغيير منهجية التفكير والسلوكيات، رغم ادراكهم جميعاً ان عاشوراء تضحية وثورة.

أحد لا ينكر ان عاشوراء ملحمة سياسية بامتياز، فالامام الحسين “ع” خرج الى كربلاء ليعيد بناء دولة الاسلام، وانتزاع السلطة من يزيد الفاجر الماكر، الذي ذل الناس، ذهب الى ارض البلاء ليكون دمه نبراس هذا التغيير، ولعل جملته الشهيرة “لم اخرج اشراً ولا بطراً انما طلباً للاصلاح في امة جدي” خير مثال على القيمة الحقيقة لكربلاء التي يعيشها الناس اليوم.

ففي لبنان المآسي تتوالي، لا دواء، لا كهرباء، لا مياه، نفايات وفساد، واكثر، هذه المآسي يفترض بالناس الانقلاب عليها والانتفاضة ضدها، غير ان شيئاً من هذا لم ولن يحصل، طالما لا يوجد من يتحرك… اللافت في عاشوراء ان المياه مقطوعة عن معظم المنازل، غير انها متوفرة للزعماء والوجهاء، ممن يتقدمون مجالس العزاء.

ازاء هذا الواقع المر حرص النادي الحسيني في مدينة النبطية على اقامة خيمة صحية في عاشوراء لتقديم الدواء والطبابة على حب الحسين، كما قال مهدي صادق المسؤول عن الانشطة، “فقد اردنا في هذه الظروف القاسية ان نقف الى جانب اهلنا ونقدم لهم دواء ومعاينة وحفاضات لكبار السن وحليباً للاطفال، لان عاشوراء مدرسة التغيير نحو الافضل والتضحية لاجل الانسان، ونحن نحاول ان نترجمها”.

غير ان لعاشوراء قيماً وعبراً وثقافة وعادات متوارثة اباً عن جد، يحرص الاهالي على احيائها كل عام، ومن بين هذه الموروثات “الهريسة”، وهي كناية عن ” قمح وماء ودجاج او لحم وسمنة”، وهي احدى ابرز العادات العاشورائية التي يواظب الاهالي على اقامتها، فعادة ما تتسابق القرى والبلدات وحتى الاهالي الى اعدادها، غير انها تراجعت نسبياً هذا العام بسبب الاوضاع الاقتصادية، وارتفاع اسعار القمح والدجاج والغاز وغيرها، على حد ما تقول ام علي احدى اقدم السيدات اللواتي يُجهزن هذا الطبق، فبحسبها الهريسة تحتاج عونة وتأخذ وقتاً طويلاً عادة ما يتراوح بين 6 الى 7 ساعات من الطهي، وهي تمر بعدة مراحل من تنظيف الدجاج الى سلق القمح مروراً برحلة “الدعك” اي هرس القمح والدجاج معاً.

والهريسة اليوم هي “الوحدة” التي يتكاتف لاجلها كل الشبان والكبار والسيدات لانجازها، كما الوطن الذي يحتاج الى تكاتف الجميع ليقف مجدداً، هذا الوقوف من تحت الركام هو ترجمة حقيقية لمدرسة عاشوراء، التي لو طبقت بحسب فاطمة “لكنا بأفضل حال وكان الفاسد في الحبس والعادل يحكم، وكنا بمنأى عن ازمة المياه والنفايات والدواء”، وتؤكد فاطمة ان “الهريسة طعام الفقراء”.

يحمل علي كوب قهوته العربية، اشتراه للتو من احد بائعي القهوة الجوالين في الطريق، يدخل الخيمة المكتظة بسيدات انهمكن منذ الصباح الباكر بتحضير الدجاج وتنقية القمح لنقلها الى “خلاقين” نحاسية اصطفت جنباً الى جنب في مراسم اعداد الهريسة، يشمر عن ساعديه، يحمل مغرفة خشبية وينطلق في دعك القمح ليهرسه جيداً، بقربه يقف حسين يشارك في عملية هرس القمح والدجاج، فيما تتولى أم علي المرأة الستينية الإشراف على الهريسة التي تحتاج “معلمية، مش اي حدا بيعمل هريسة وبتطلع طيبة”، تقول وهي تخفف النار تحت “الدست” النحاسي الذي يتحلق حوله سيدات وشباب ورجال، كل يحمل مغرفته ليشارك في “الاجر”.

والهريسة تراث شعبي تتميز بأنها تجمع شمل العديد من الاهالي وبحسب مهى فإنها تعني محبة ومشاركة، لا يمكن لاحد ان يطبخها وحيداً، بل تتطلب مشاركة سيما في الدعك الذي يستمر ساعات ليذوب القمح مع الدجاج، ولهذا تسمى هريسة”…

تشبه الهريسة واقع الوطن الذي يحتاج الى دمج وتشارك لينصهر في بوتقة واحدة، كما القمح الذي ينصهر مع الدجاج ويمتزج مع المياه ليصبح هريسة، تتهافت الايدي لدعكها لتنضج، كذلك المجتمع يحتاج الى دعك الافكار والمشاريع لتمزج وتطور المجتمع. وربما نحتاج الى اعادة تدوير الافكار والمفاهيم لكي نعيد بناء بلد يقوم على العدالة المجتمعية والانصاف.

زر الذهاب إلى الأعلى