أخبار دولية

الديار : الأزمة الأوكرانية تضرب النظام الإقتصادي العالمي.. البلدان المتضرّرة عديدة ولبنان على رأسها.. الإحتكار والأسعار في ازدياد والرقابة عاجزة

كتبت صحيفة ” الديار ” تقول : الصورة العسكرية في أوكرانيا بدأت تتضح، فالروس عازمون بكل قواهم على تغيير النظام في أوكرانيا ‏وفرض نظام موال لروسيا أو بالأحرى نظام يؤمن بـ “روسيا العظمى” حيث أوكرانيا جزءٌ لا يتجزأ منها. ‏العمليات العسكرية في يومها الحادي عشر تُظهر أن الهجوم الروسي من ثلاثة محاور رئيسية، شمالًا ‏وشرقًا وجنوبًا، ويهدف إلى إحتلال الجزء الشرقي من أوكرانيا بما فيه العاصمة كييف والساحل المُطلّ ‏على البحر الأسود.‏
مصير أوكرانيا
يقول الكولونيل دوغ ماكريغر كبير المستشارين لوزير الدفاع الأميركي سابقًا في مقابلة مع فوكس نيوز، ‏أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لن يقبل وجود القوات الأميركية أو صواريخها على حدود روسيا، ‏وبالتالي لن يقبل أبدًا دخول أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي. ويقول ماكريغر أن المعركة في شرق ‏أوكرانيا تُقارب على نهايتها حيث ان 30 ألف مقاتل أوكراني محاصرون في الجنوب الشرقي من ‏أوكرانيا وإذا لم يستسلموا خلال الـ 24 ساعة المقبلة، فإن القوات الروسية ستقضي عليهم، وهو ما يبرّر ‏بحسب ماكريغر قبول الرئيس الأوكراني بإجراء محادثات مع الروس. ويضيف أنه سيتمّ تقسيم أوكرانيا ‏إلى قسمين شرقي وغربي وسيطالب بوتين بأن يكون القسم الغربي محايدًا. والأخطر في كلام ماكريغر أن ‏روسيا تخطّط لإنشاء جمهورية جديدة لأنها تاريخيًا هي جزء من روسيا، أما القسم الغربي فهو تاريخيًا ليس ‏أرضًا روسية وبوتين يعلم ذلك وهو موافق على أن يكون الجزء الغربي دولة محايدة!‏
وبسؤاله عن وجود رغبة لدى بوتين بالذهاب غربًا إلى الحدود البولندية، يقول ماكريغر أن لا رغبة لدى ‏بوتين بعبور الحدود البولندية وهو ليس مهتمًا بخوض حرب ضد الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا بحكم ‏أن قدرته العسكرية لا توازي قدرات حلف شمال الأطلسي واقتصاد روسيا يأتي في المرتبة 11 عالميًا بعد ‏كوريا الجنوبية، وبالتالي فإن الغرب ينسب إلى بوتين أشياءَ لا يتطلّع إليها. ونصح ماكريغر المسؤولين ‏الأميركيين والأوربيين بالبقاء بعيدين عن هذا الصراع ووقف شحن الأسلحة إلى أوكرانيا وعدم تشجيع ‏الأوكرانيين على الموت في صراع غير مجدٍ، وختم بالقول أن الغرب تجاهل تحذيرات روسيا بخصوص ‏هذا الموضوع منذ سنوات. الجدير ذكره أن ماكريغر كان قد دعا في عام 2014 في مقابلة على شبكة ‏روسيا اليوم إلى ضمّ إقليم دونباس وقال إن سكان هذه المنطقة هم في الواقع روس وليس أوكرانيين.‏مواقف ماكريغر – اليميني والعنصري كما وصفته صحيفة الواشنطن بوست – إن دلّت على شيء فعلى ‏وجود وجهتي نظر داخل المعسكر الغربي، وبالتحديد الولايات المتحدة الأميركية. والظاهر من موقف ‏الإدارة الأميركية الحالية (والأوروبية أيضًا) هو رفضها التام للاجتياح الروسي لأوكرانيا كما يُظهره ‏الدعم العسكري والمالي الكبير الذي تُقدّمه لأوكرانيا. إلا أن الحديث عن تأمين رئيس بديل للرئيس ‏الأوكراني في حال تمّ إغتياله وحكومة جديدة للمرحلة المقبلة، وتصريح الرئيس الفرنسي عن أن الحرب ‏ستدوم لفترة طويلة، يوحي بأن الغرب يستعد لفكرة ما طرحه ماكريغر – عنيت بذلك تقسيم أوكرانيا إلى ‏دولتين – وهذا الأمر ما دونه تداعيات على عدّة أصعدة.‏
التداعيات السياسية
عمليا قبول العالم هذا السيناريو يعني فتح الباب أمام العديد من الدول لحذو الطريق الروسي في معالجة ‏مشاكلها،على مثال الصين التي ترغب بكل قواها باسترجاع جزيرة تايوان إلى حضنها، كما صرّح بذلك ‏الرئيس الصيني”شي جينبينغ” في العام 2019 حين قال ان بلاده لن تتخلى عن خيار استخدام القوة ‏العسكرية لإعادة بسط سيادتها على جزيرة تايوان حيث يوجد فيها نظام حكم مناهض للصين. وللتأكيد على ‏جدية الرغبة الصينية، تقوم بكين بخرق متواصل للأجواء التايوانية كما فعلت في كانون الأول 2021، ‏وحديثًا بعد بدء الحرب بين روسيا وأوكرانيا. الجدير ذكره أن مثال الصين ليس وحيدًا، فهناك العديد من ‏النزاعات حول العالم من هذا النوع، وهو ما يفرض تحديا كبيرا أمام الأمم المتحدة لإيجاد آليات تعامل مع ‏هذه الحالات.‏
على صعيد أخر، الإنحياز في الحرب الروسية – الأوكرانية إلى فريق أو آخر له تداعيات عديدة، فروسيا ‏تُعدّ لائحة بالدول التي قامت بأخذ موقف ضدّها في هذه الحرب بهدف أخذ إجراءات آنية أو لاحقة. في هذا ‏الإطار من المتوقّع أن تشهد العلاقات بين لبنان وروسيا ترديا واضحا في المرحلة المقبلة على خلفية إدانة ‏وزارة الخارجية الإجتياح الروسي لأوكرانيا وتصويت لبنان مع مشروع قرار أممي يطالب روسيا بوقف ‏القتال والانسحاب من روسيا. وما رفض روسيا إاستقبال موفد رئيس الجمهورية إلا بداية لهذا المسار ‏الذي من المتوقّع أن يسوء أكثر مع ما لروسيا من ثقل في لبنان من البوابة السورية. في المقابل، بدأ ‏الغرب باستخدام أدواته الاقتصادية للتضييق على بعض الدول الأخرى التي تعاطفت أو تقف مع روسيا، ‏كما فعل مع الإمارات العربية المتحدة عبر إدراجها على قائمة المراقبة “الرمادية” لغسيل الأموال من ‏قبل منظمة مراقبة الجرائم المالية (‏FATF‏).كل هذا يُرجّح عودة الاصطفاف العالمي للدول بين محوري ‏الشرق والغرب وهو ما يعني إعادة ترتيب جدّي للعلاقات الثنائية بين الدول في المرحلة المقبلة.‏
التداعيات الاقتصادية
لطالما شكّلت الصراعات العسكرية عاملاً رئيسياً لانعدام الأمن الغذائي. من هذا المنطلق، التداعيات ‏الكبرى للصراع الروسي-الأوكراني تبقى على الصعيد الإقتصادي حيث من المتوقّع أن يتأثر الإقتصاد ‏العالمي بأكمله نتيجة هذه الأزمة. هذه التداعيات تنتقل من خلال ثلاث قنوات رئيسية:‏
أولًا – الإنكشاف التجاري المباشر، بحكم أن الصراع المسلّح والعقوبات يضرب سوق التصدير (نتيجة ‏الصراع العسكري) والإستيراد (نتيجة التأثير في سلاسل التوريد أو العقوبات) وهو ما قد يؤدّي إلى ‏حدوث إختناقات في نقص العرض والإنتاج (عادة ما تُقاس نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي الإسمي).‏
ثانيًا – الإعتماد الصافي على الطاقة في الماكينة الإقتصادية، حيث أنه كلما زادت نسبة الإعتماد على ‏إستيراد النفط إرتفعت الفاتورة، وهو ما يُشكّل كارثة على النمو الإقتصادي نظرًا إلى التضخّم الضمّني ‏الذي يخلقه إرتفاع أسعار النفط. هذا الأمر لا يصحّ بالطبع للإقتصادات التي تُصدّر الطاقة حيث ان ارتفاع ‏أسعار النفط يشكّل صدمة إيجابية لهذه الإقتصادات.‏
ثالثًا – وزن الطاقة والغذاء في مؤشر الأسعار على الإستهلاك: فارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية ‏يؤدّي حكمًا إلى تآكل القدرة الشرائية للمستهلك. وهنا يجدر الذكر أن كِلا طرفيْ الصراع (روسيا ‏وأوكرانيا) يحتلان مرتبة عالية في لائحة الدول المصدرة للحبوب والنفط.‏
وقبل الحديث عن تفاصيل هذه التداعيات، ينبغي التذكير أن الحقول الأوكرانية الرئيسية التي يتمّ إنتاج ‏المحاصيل منها موجودة في مناطق الصراع حاليًا على الحدود مع روسيا وبيلاروسيا. أضف إلى ذلك أن ‏موانئ “كييف” تمّ إغلاقها بالكامل وهناك حظر لمرور السفن التجارية في بحر آزوف (شرق شبه جزيرة ‏القرم) والمُتصل بالبحر الأسود.ويعد البحر الأسود من أهم مناطق العالم للتجارة وبالتحديد للصادرات ‏الزراعية والحبوب حيث يمرّ عبره 12% من إجمالي تجارة الحبوب العالمية باتجاه دول الشرق الأوسط ‏وشمال إفريقيا المجاورة. وتأتي أوكرانيا في المركز الأول مع تصدير أكثر من 95% من إنتاجها ‏الزراعي. وبالتالي، فإن الحصار المفروض على البحر الأسود سيحدّ من تصدير المنتجات الزراعية ‏لبلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وهو ما سيؤدّي حكمًا إلى أزمة غذاء في هذه الدول.‏
تُعد روسيا وأوكرانيا من بين أكبر 5 دول عالميًا في تصدير القمح ودوار الشمس والذرة والبذور الزيتية ‏والزيوت. وتُشكّل أوكرانيا وحدها ما يُقارب الـ 16% (أكثر من 40 مليون طنّ) من صادرات الذرة ‏عالميًا و12% من صادرات القمح عالميًا. وهو ما يعني أن بلدانًا (الترتيب بحسب حجم الإستيراد) مثل ‏الصين، هولندا، مصر، إسبانيا، تركيا، إيران، كوريا، إسرائيل، الجزائر، البرتغال، إيطاليا، بريطانيا، ‏تونس، بلجيكا، ليبيا، إيرلندا، ألمانيا، لبنان، المغرب، ستتأثر بشكلٍ كبير.‏
أيضًا تُلبّي أوكرانيا وروسيا أكثر من 50% من إستهلاك الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من زيت عباد ‏الشمس. وبالتالي فإن العراق، ومصر، والإمارات، والمملكة العربية السعودية، وتركيا، ولبنان، والسودان ‏ستتعرّض لنقص كبير في أسواقها، كما ودولًا بعيدة كالصين، وهولندا، وإسبانيا، ، وإيطاليا، وفرنسا، ‏وبولندا، وبريطانيا، وماليزيا، والولايات المُتحدة الأميركية…‏
أمّا على صعيد القمح، فالتأثير في كلٍ من مصر، وإندونيسيا، وبنغلادش، وباكستان، وتركيا، والمغرب، ‏واليمن، ولبنان، والفليبين، وليبيا، وتايلندا، وماليزيا، وإسبانيا، وكوريا… سيكون له تداعيات كبيرة ومؤذية ‏لشعوب هذه البلدان.‏
عمليًا الدول الفقيرة هي المُتضرّر الأول من تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، فعلى صعيد الشرق ‏الأوسط تأتي اليمن، ولبنان، وليبيا، وتونس، ومصر، والأردن، وسوريا… على رأس الدول الأكثر تضررًا. ‏ويستورد لبنان 50% من قمحه من أوكرانيا (و12% من روسيا)، وليبيا تستورد 43% من إستهلاكها من ‏أوكرانيا، واليمن يستورد 22% من أوكرانيا، ومصر أكثر من 86% من روسيا وأوكرانيا، وتركيا أكثر ‏من 75% من إستهلاكها.‏أما على الصعيد الأسيوي، فإن الدول الأكثر تأثرًا بحسب وزن الطاقة والمواد الغذائية في مؤشر الأسعار، ‏هي: تايلندا، والهند، والفيليبين، وفيتنام، وماليزيا، وإندونيسيا، واليابان، وتايوان، وسنغافورا، والصين، ‏وأستراليا، وكوريا الجنوبية.‏
ولكن الأخطر في كل ما ذكر هو على صعيد الأسمدة النيتروجينية مثل الأمونيا واليوريا حيث أن روسيا ‏وبيلاروسيا تستحوذان على أكثر من 32% من سوق الأسمدة العالمي، وبالتالي فإن العقوبات والإجراءات ‏الإنتقامية ستحد من توريد هذه الأسمدة، مما يعني انخفاض المحاصيل وارتفاع أسعار الحبوب.‏
أيضًا من بين التداعيات المُتوقّعة لهذه الأزمة الهروب المُمنهج لرؤوس الأموال من الإقتصادات ‏المتوسطة والفقيرة والتي تجد ملاذًا لها في الذهب والمعادن الثمينة على حساب أسواق الأسهم ‏والإستثمارات المباشرة في هذه البلدان. وهو ما يقترح رفع الفائدة في العديد من هذه الدول، وبالتالي ‏تراجع النمو الإقتصادي إذا ما وُجد.‏
كل هذه التعقيدات تقترح إعادة النظر في نظام التعامل (ببعديه التجاري والإستثماري) بين الدول مع ما ‏لهذا من تداعيات على الإستيراد والتصدير، ولكن أيضًا على وسائل الدفع وحركة رؤوس الأموال.‏
لبنان والتداعيات المضاعفة
يستورد لبنان من أوكرانيا من الحبوب ما قيمته 184 مليون دولار أميركي (أرقام 2020) منها قمح بقيمة ‏‏133 مليون دولار وذرة بقيمة 47 مليون دولار، وشعير بقيمة 4.5 مليون دولار، وبذور عباد الشمس ‏بقيمة 43 مليون دولار، و زيت فول الصويا بقيمة 1.8 مليون دولار. أيضًا استورد لبنان شحوما وزيوتا ‏حيوانية أو نباتية بقيمة 4.7 مليون دولار، وبذورا زيتية وفواكه زيتية بقيمة 3.2 مليون دولار، وحيوانات ‏حيّة بقيمة 8.5 مليون دولار، وسكريات ومصنوعات سكرية بقيمة 3.4 مليون دولار، وحديدا وصلبا بقيمة ‏‏3.7 مليون دولار أميركي.‏
الوقت الذي يفصلنا عن بدء الأزمة غير طويل، وبالتالي فإن المخزون لا يزال على مستوياته ما قبل ‏الأزمة. إلا أنه ومع بدء الأزمة أخذ التجّار برفع أسعارهم بشكل غير مسبوق حتى أن بعض الفيديوهات ‏التي تناولتها مواقع التواصل الإجتماعي، أظهرت العمال يسحبون الزيوت من على الرفوف في إحدى ‏السوبرماركات، وتوقفّت محطات الوقود عن تسليم المحروقات بحجّة عدم صدور جدول أسعار جديد على ‏الرغم من وجود المحروقات فيها! بالمختصر إنها فوضى عارمة ناتجة من غياب الرقابة، والأصعب حين ‏يبدأ المخزون بالإنخفاض ولا بديل عن السوق الأوكراني والروسي، فإن الأسعار سترتفع إلى مستويات ‏جنونية.‏قانون التنافسية الذي تمّ إقراره حديثًا في المجلس النيابي لن يدخل حيز التنفيذ قبل تعيين الهيئة الناظمة ‏وبالتالي، فإن الساحة خالية لبعض التجار الذين يتمتّعون بحمايات من قبل أصحاب النفوذ لحصد كل ما ‏يستطيعون حصده من جيوب المواطنين. وتبقى الوعود التي تطلقها الحكومة من دون أي جدوى على ‏الرغم من المداهمات التي تقوم بها وزارة الإقتصاد من حين إلى أخر حيث المطلوب إستراتيجية واضحة ‏وسريعة لمكافحة الإحتكار والتلاعب بالأسعار في هذا الوقت الإستثنائي من حياة لبنان. وبغياب هذه ‏الإستراتيجية، يبقى المواطن وحيدا في مواجهة عصابات تتحكّم بالسوق كما يحلو لها!‏

زر الذهاب إلى الأعلى