الرئيسية / منوعات / اللبنانيون في مواجهة إكتئابهم الجماعي، هل من طوق نجاة؟
اللبنانيون في مواجهة إكتئابهم الجماعي، هل من طوق نجاة؟

اللبنانيون في مواجهة إكتئابهم الجماعي، هل من طوق نجاة؟

اللبنانيون في مواجهة إكتئابهم الجماعي، هل من طوق نجاة؟

لا زالت الاضطرابات النفسية تعتبر من المحرمات في الكثير من المجتمعات ولا يتم التعامل معها كظاهرة لا بد من تشخصيها وتحديد أعراضها وكيفية معالجتها. شعب لبنان يغرق ولا يجد طوق نجاة. إنهيار إقتصادي ومالي غير مسبوق. تفشي كورونا. إنفجار مرفأ بيروت. توترات تلو توترات. من يكترث لأوضاعنا النفسية؟

تندر الدراسات العلمية الدقيقة التي تتكلم عن الصحة النفسية لدى المجتمع اللبناني، لكن الاستخدام الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي كوسائط للتعبير عن الحالة النفسية والمزاجية والانفعالية يمكن أن يؤشر إلى مشاعر جماعية مشتركة يختلط فيها الاحباط باليأس وإنتفاء الدافعية والحوافز وإستشعار العجز عن الفعل، فهل هذه الأعراض دالة على إكتئاب جماعي؟ يُعرّف الإكتئاب الجماعي بأنّه حالة مشابهة جدًا للإكتئاب الفردي. الشعور بخيبة الأمل وانخفاض تقدير الذات والاحساس بالذنب والعزلة بالاضافة إلى انكار الواقع، القلق، الخوف، الحزن، الغضب، الكره، الخجل، العجز، التخدير العاطفي (صعوبة التعبير عن الأحاسيس، بما في ذلك الحب والعاطفة، أو الاهتمام بمسرات النشاطات اليومية). ويرتبط الاكتئاب الجماعي بصدمة وطنية، أي صدمة تشعر بها نسبة عالية جدًا من السكان مثل الاغتيالات السياسية، الإبادة الجماعية، أعمال الحرب، الكساد الاقتصادي، الكوارث الطبيعية، والأوبئة الخارجة عن السيطرة[1]. ويؤكد موريس هالبفاكس Maurice Halbwachs أنّ “ذكرياتنا تبقى، برغم فردانيتها الظاهرية، ذات طبيعة مشتركة؛ ومن ثم فهي جمعية يذكرنا بها المجتمع المحيط  بنا”، مضيفا “أننا لسنا في الحقيقة وحيدين البتة”. هذا يدل على  وجود حالة نفسية جماعية سليمة او مضطربة، يمكن فهمها من خلال الاتجاهات الاجتماعية الطارئة ويمكن ادراك اسبابها والتنبؤ بنتائجها، ومع هذا من الصعب قياس الصحة النفسية الجماعية بطريقة دقيقة كما يتم تشخيص مستوى الصحة النفسية للأفراد.

أظهر تقرير “غالوب العالمي للمشاعر 2020” أن اللبنانيين “من بين أكثر 10 شعوب توتراً وحزناً في العالم”. كذلك أظهرت دراسة للجامعة الأميركية اللبنانية أن 16.17 في المئة من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة، يعانون من اكتئاب شديد منذ واقعة انفجار مرفأ بيروت

وبعدما وصل الخوف على الذات والاطفال والعائلة والأصدقاء إلى الذروة، واصبح الشعور بالندم ينهش الروح قبل الجسد، زادت التعبيرات الساخرة لدى اللبنانيين، وفي حقيقة حالنا قول الشاعر “لا تحسبن رقصي بينكم طربا، فالطير يرقص مذبوحاً من الألم”، وتعتبرهذه الحالة التهكميّة من أبرز الميكانيزمات الدفاعية التي يلجأ اليها الافراد لتخفيف التوتر الناتج عن الشعور بالألم لكنّها في المقابل تؤدي الى الخنوع والاستسلام والقبول بسطوة الأمر الواقع ولا تدفع إلى التفكير بطريقة عقلانية لإيجاد تصورات عملية تخفّف من وقع المأساة وشدتها.

العلاج النفسي

يعتمد العلاج النفسي الايجابي على اهمية العلاقات الاجتماعية بالنسبة لتعزيز الصحة النفسية وتخفيف حدّة الأزمات من خلال التواصل والتضامن الاجتماعي والارتكاز على افراد الاسرة الأصحاء للشعور بالأمن والسلامة لكنّ ظروف تفشي جائحة كورونا ومن ثم تفاقم الأزمة الإقتصادية والمعيشية وصولاً إلى فقدان المحروقات (ومنها مادة البنزين) جعل المواطنين أسرى بيوتهم، وباتت حركتهم تقتصر على الضروريات تحسباً لاي طارئ، فتراجعت حركة الزيارات الاجتماعية والعائلية وتباعدت جلسات الفضفضة التي اعتادها اللبنانيون، والتي تعتبر جزءا من التفريغ النفسي الضروري لشحن طاقة جديدة يستطيع الفرد من خلالها استعادة نشاطه وتوازنه المعتادين.

تماعي هذا النوع من العلاجات، ما يؤدي إلى عزوف كثيرين عن دق أبواب المعالجين النفسيين وبالتالي اللجوء إلى الأدوية والعقاقير ضماناً لسرعة الوصول الى النتائج المرجوة، علماً أن الحصول على أدوية هذه الحالات النفسية لم يعد سهلاً. وأظهر تقرير “غالوب العالمي للمشاعر 2020” (Gallup Global Emotions 2020) أن اللبنانيين “من بين أكثر 10 شعوب توتراً وحزناً في العالم”. كذلك أظهرت دراسة للجامعة الأميركية اللبنانية أن 16.17 في المئة من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة، يعانون من اكتئاب شديد منذ واقعة انفجار مرفأ بيروت في صيف 2020، وأضافت الدراسة أن 40.95 في المئة من النساء يعانين من اضطراب ما بعد الصدمة PTSD. وفي ما يتعلق بالطبقات الاجتماعية، أوضحت الدراسة أن 59.5 في المئة ممن يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة هم من الفئة الأكثر فقراً، ومنهم من تضرر بشكل مباشر من انفجار المرفأ (55% نسبة الفقر في لبنان في العام 2020 حسب تقرير منظمة “الإسكوا”).

وتظهر دراسة أجرتها الجامعة الأميركية في بيروت حول الأثر النفسي الذي خلفه الحجر الصحي والتعليم عن بعد على الطلاب، أن 42.3 في المئة من طلاب لبنان يعانون من اكتئاب وأنسومنيا (الأرق)، فيما 75.3 في المئة يعانون من التوتر الحاد.

العلاج بالأدوية هو الأسهل والأوفر بالنسبة لكثيرين بالمقارنة مع كلفة العلاج المعرفي السلوكي بغض النظر عن أهميته وفعاليته في توجيه افكار الفرد نحو الإيجابية والنمو والتوافق النفسي والإجتماعي، وهذه المهمة تصبح أصعب يوماً بعد يوم على المعالجين النفسيين بسبب الأوضاع التي تنذر بالأسوأ دائماً

الأدوية وحدها ليست علاجاً

وتعتبر الأدوية النفسية “حلاً مثالياً” تلجأ اليه شريحة وازنة من اللبنانيين، في سياق تعاملها مع الأزمات المتسارعة التي تتعرض لها، بدءا من التردي الاقتصادي الذي حصل في نهاية 2019 وتزامن مع انتشار جائحة كورونا مروراً بانفجار مرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس 2020 وصولاً إلى قعر الهاوية في أيامنا هذه، حيث يشهد اللبنانيون فصولاً قاسية في أكلهم وخبزهم وشربهم ودوائهم ونقلياتهم ولياليهم ونهاراتهم. اليوم، يفتقد الكثير من اللبنانيين هذه الأدوية لعدم توفرها في الصيدليات بسبب عدم استيرادها او احتكارها في انتظار رفع الدعم عنها والمشكلة أن المرضى لا يستطيعون التوقف عنها بشكل مفاجئ لما تتركه من أعراض انسحابية (جسدية ونفسية مرهقة مردها ترك الدواء من دون نصيحة الأطباء) تسبب انتكاسات نفسية صعبة، بالاضافة إلى ان العلاج بالأدوية هو الأسهل والأوفر بالنسبة لكثيرين بالمقارنة مع كلفة العلاج المعرفي السلوكي بغض النظر عن أهميته وفعاليته في توجيه افكار الفرد نحو الإيجابية والنمو والتوافق النفسي والإجتماعي، وهذه المهمة تصبح أصعب يوماً بعد يوم على المعالجين النفسيين بسبب الأوضاع التي تنذر بالأسوأ دائماً، فالخوف والقلق والأفكار السوداوية كلها باتت حال كثيرين ممن فقدوا القدرة على المواجهة واستسلموا لعوارض إكتئاب جماعي، شلّ حيويتهم ووضعهم رهائن ظروف بلدهم القاهرة، فلا نوم جيداً، ولا عمل جيداً، ولا طعام متوازناً، ولا رفاهية، ولا بنزين ولا كهرباء، ولا دواء، ولا مستشفيات، ولا حياة يمكن تسميتها حياة. وحذرت نقابة الصيادلة في لبنان من “ازدياد نسبة استهلاك مضادات الاكتئاب والمهدئات بنسبة 20 بالمئة عما كانت عليه قبل العام 2021”. وهذا يعني أن هذه الأدوية لم تعُد محصورة بالمرضى فقط، وإنّما تطال شريحة أوسع، حتى أنها حلت في الدرجة الثانية بين الأدوية المهددة بالانقطاع التام في لبنان بعد أدوية السرطان.

من سيء إلى أسوأ

وتعاني النساء بشكل أكبر من تبعات هذه الأزمات، حيث تُلقى الكثير من الأعباء على كاهلهن، فالأم هي المسؤولة عن تدبّر طعام أسرتها في ظلّ غياب الكثير من الأصناف بسبب ارتفاع أثمانها. الخبز والألبان والأجبان باتت تُصنع منزلياً كما ساهم إنقطاع الغاز في إعتماد الريفيات على الحطب لإعداد الطعام والعودة إلى الوسائل التقليدية بالإضافة إلى إنقطاع الكهرباء المتكرر وعدم إمكانية الخروج من المنزل بسبب إرتفاع اجرة النقل وبالتالي على الأم تحمّل تذمّر أطفالها من إرتفاع درجات الحرارة مع عدم إمكانية تأمين بدائل تخفف من معاناتهم، ناهيك عن الضغوط اليومية التي يتعرض لها الأب في محاولة تأمين قوت عائلته، وعودته إلى المنزل مُحمّلاً بمشاعر الغضب والإحباط واليأس، ويكفي مشاهدة نشرات الأخبار وبرامج “التوك شو” حتى نعرف حجم الغضب والقرف الذي ينتاب الكثيرين ولا يجدون إلا الشتائم متنفساً لغضبهم الكبير. مؤخراً، لجأ ناشطون على مواقع التواصل إلى الإستشهاد بقول أبو الطيب المتنبي “ما لجرحٍ بميت ايلامُ”.. ولكن الاضطرابات النفسية ستظهر بمجرد تعافي بلدهم تدريجياً، وهو أمر صحيح أنه ليس بمتناول اليد، لكن ذلك لا يمنع من طرح السؤال الآتي: هل سيحوّل اللبنانيون مكبوتاتهم حالات ابداعية تؤرشف للمستقبل ما شهده البلد من حقبة استثنائية في السنتين الأخيرتين او أننا سنشهد مظاهر عنفية عدوانية تجعل اللبنانيين ينتقلون من سيء إلى أسوأ؟

مايا ياغي

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هل أكل الجراد آمن؟ وهل له فوائد؟

إنه مقرمش، ومحبوه يقولون إن مذاقه لذيذ، إنه الجراد الذي يؤكل في أماكن كثيرة من ...