الرئيسية / تاريخ النبطية / سوق الإثنين في النبطية .. تراث وتاريخ و أقدم من وجود لبنان

سوق الإثنين في النبطية .. تراث وتاريخ و أقدم من وجود لبنان

بقلم محمد قديح

يوم الإثنين في مدينة النبطية، حركة كثيفة، طريق مكتظ، بسطات الباعة تنتشر في مختلف الجهات، لا مجال لمرور السيارات، بضائع ومعروضات، أسعار مقبولة، ماركات مقلدة، إنه سوق الإثنين في النبطية، أشبه بصندوق الفرجة لكثرة الأشياء التي يحويها.
السوق يُعقد في كل يوم إثنين من كل أسبوع، يجمع مئات الأشخاص طواعية في مكان واحد وفي يوم واحد طوال ساعات عدة، يبدأ من الصباح الباكر وحتى ما بعد صلاة الظهر بقليل، وبعدها يغط السوق في سُبات حتى الأسبوع المقبل. داخل السوق أصوات الباعة تعلو: بعت إشتريت/ صلّينا عالنبي/ مبروك/ حمّل/ صحتين/ الله يبارك. وعند البعض الآخر: الله بيرزق والدين ممنوع والعتب مرفوع.
وفي نهاية السوق، تبدأ أعصاب الباعة بالإنقباض، ساعة الرحيل دنت وغلة السوق يجب أن تكون ذات قيمة أو أقله على قدر التعب. وغالباً ما تكون مبيعات التاجر في هذا اليوم ما يوازي مبيعاته في بقية الأسبوع.
تاريخ السوق يعود إلى زمن لم يكن فيه وجود لحواجز أو حدود جمركية تفصل أقسام بلاد الشام، لم يكن هناك عوائق أمام تجار أو مزارعي حوران ودمشق وفلسطين تمنعهم من القدوم إلى سوق الإثنين في النبطية والمشاركة فيه. وفي أقدم مصدر متوفر جاء على ذكر سوق الإثنين في النبطية يعود إلى عهد السيطرة المملوكية على بلاد الشام، عندما كانت النبطية تابعة “لإيالة” صفد.


ففي وصف للدكتور “شاكر الخوري” عن حال السوق عام 1860 قال: “إن السوق من أعظم الأعمال التجارية في بلادنا، يجتمع إليه الناس كل نهار إثنين من كل الجهات، ويجتمع فيه خمسة إلى ستة الآف نسمة من شارٍ وبائع، ومن العجائب أنه ينعقد فيه نحو خمسين ألف عقد بيع وشراء. وأغرب من ذلك أنهم من كل الأجناس من نصارى، ومتاوله، ودروز ويهود وإسلام، وقد مضى عليه مئات السنين ولم يزل كما هو”.
التطورات السياسية والعسكرية التي شهدتها المنطقة في القرن العشرين، بداية بالانتداب مروراً بقيام دولة إسرئيل شكلت عقبة أمام استمرار وتقدم سوق الإثنين في النبطية، فقد انقسمت بلاد الشام وأغلقت الحدود وتقلص دور السوق واقتصر رواده على أبناء لبنان الجنوبي.


تغير الموقع الذي كان يقام عليه السوق في العام 1975 في ساحات البلدة، ساحة السراي القديمة وأسواق الخضار، حيث كانت “بسطات” الباعة تنتشر على هذه المساحات، رغبة من تجار المدينة أصحاب المتاجر الثابتة من أجل الحفاظ على مصالحهم فعمدت البلدية إلى إبعاد موقع السوق عن بعض الساحات وذلك نحو الغرب بإتجاه الحسينية، وبذلك أصبحت البسطات تلتف حول ساحة البيدر في مدينة النبطية.
نظراً لأهميته، وضعت البلدية لسوق النبطية تنظيماً خاصاً، وهي عملية تلزيم، تقوم على جباية بدل اشتراك من التجار المشاركين. واستمر أسلوب الجباية من خلال التلزيم متبعاً حتى تاريخ 22/12/1998 عندما اتخذ المجلس البلدي قراراً جديداً يقضي بتنظيم السوق من خلال توزيع البسطات، تحديد بدل الاشتراك للبسطة الواحدة خمسة الآف كحد أقصى ليوم واحد ومنع التبسيط في أيام الأسبوع غير يوم الإثنين.
ومنذ ذلك التاريخ قام موظفو البلدية بإستيفاء الرسوم مباشرة من التجار المشاركين مقابل إيصالات مادية، مع الإشارة إلى أن التوجه العام لدى مسؤولي البلدية، يقضي بجباية الحد الأدنى من الرسوم المفروضة، وذلك لمراعاة الواقع الاقتصادي السيئ لدعم أمكانية استمرار السوق.


مع مرور الوقت، ازداد عدد البسطات التي كان يتألف منها السوق، ففي العام 1999 وصل عددها إلى حوالي (300) بسطة متنوعة من حيث المعروضات أما اليوم فقد ارتفع عددها إلى ما يفوق (350 ) بسطة وقد حافظ السوق على تنوع أجنحته المختلفة: سوق الخضار والفواكه، سوق الماشية الذي اندثر بعد العام 1996 وسوق الألبسة والأدوات المنزلية الذي طرأ عليه زيادة واضحة في عدد البسطات وأصبح ينتشر حول ساحة البيدر من المدينة من مختلف الجهات ويغطي الفسحة الواقعة قرب الجامع بحيث لا يدع مجالاً لمرور السيارات فيها يوم الإثنين.
يبدو أن استمرار قوة السوق وارتفاع عدد المشاركين فيه ناتج عن غنى معروضاته وتنوعها من جهة، والأسعار المتهاودة لهذه المعروضات مع مثيلاتها المعروضة في المتاجر الثابتة من جهة أخرى.

محمد قديح

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تدمير مخيم النبطية 1974 بالكامل في قصف الطائرات والمدفعية الثقيلة ولم يخرج منه إلا القليل… والآن لا وجود للمخيم …

صور وذكرى وتاريخ 16 / 5 / 1974 بقلم و عدسة : يوسف القطب مخيم ...