الرئيسية / أخبار جبل عامل / “من حقنا نفرح شوي” هذا حال رحلات العائلات في ظل الغلاء الفاحش وإنقطاع البينزين..عودة إلى الجذور والأكل التراثي بعد إنقراض المشاوي

“من حقنا نفرح شوي” هذا حال رحلات العائلات في ظل الغلاء الفاحش وإنقطاع البينزين..عودة إلى الجذور والأكل التراثي بعد إنقراض المشاوي

كتبت رمال جوني في صحيفة نداء الوطن:

وكأنه لم يكن ينقص المواطن هذه الايام سوى المتحور “دلتا”، لتزداد المصيبة عليه، فالمتحور الهندي وصل الى قرى النبطية مسجلاً عدة إصابات داخلها، ما اثار الذعر في صفوف الاهالي، ممن يمضون يومهم بحثاً عن بنزين ودواء وحليب اطفال ومازوت وغيره من المستلزمات التي باتت شبه مفقودة أو متوفرة بسعر السوق السوداء وآخرها فاتورة اشتراك المولد الكهربائي التي قضّت مضاجع الناس “عالسكت”. وجاء المتحور “دلتا” ليلهيهم عن ازماتهم المتوقع ان تضاف اليها ازمة الرغيف. كل ذلك لم يمنع قلة من الناس ممن قصد ضفاف الانهر لنسيان ازماتهم الحياتية، اختاروا أماكن تسلية وترفيه مجانية، بدلاً من تلك المكلفة وخارج امكانية السواد الأعظم، ومع ذلك وصلت فاتورة المشوار الى الـ300 الف ليرة. مشوار يبدو انه سيكون لمرة واحدة في الشهر، فالوضع لا يحتمل مزيداً من المصروفات، خاصة وان البنزين لوحده يحتاج ميزانية بعد ارتفاع ثمنه، وهو غير متوفر. كل ذلك لم يمنع أبو محمد وعائلته من ارتياد نهر الوادي الأخضر بحثاً عن مكان خارج الازمات، ليس فيه طابور بنزين، ولا مخاوف من عدم ايجاد الدواء او تخوف من أزمة رغيف. في حسابات أبو محمد “الازمة طويلة، والدولة نجحت في تركيع الشعب ليرتضي رفع الدعم، وهذا لم يمنع من خلق فسحة هدوء”، يدخن نرجيلته، ينفث دخانها بعيداً وكأنه يبعد شبح القلة عنه، قبل ان يقول: “الاولاد لازم يلعبوا بالمي، حرام ينحرموا كمان”. لم يقصد مكاناً مدفوع الثمن، بل ضفة نهر مجاني، وبطعام من حواضر المنزل، فالهدف برأيه “ادخال الفرحة الى قلوب اولاده”.

كل من قصد النهر هذا اليوم اتبع سياسة “الاكل من حواضر البيت” وبعضهم احضر الطابونة وأعدّ الفطائر بالكوسى والبقلة، كما فعلت ام علي وعائلتها، فالاخيرة لم تتخلّ يوماً عن خبز الطابونة، لازمته كظلّها، بقيت محتفظة بطابونة اهلها للزمن، هي تدرك جيداً معنى الفقر والقلة. فقديماً، كانت الناس تعتمد على المونة البيتية وحاكورة الدار في حياتها، لم يكن متوفراً آنذاك الإنترنت والسيارات ووسائل الرفاهية الحديثة، كانت الحياة عبارة عن رحلات سياحية سيراً على الاقدام الى الانهر القريبة، وتحديداً الوادي الأخضر، الذي وُسم إسمه بالغطاء الأخضر الذي يظلّله، صيفاً شتاء، إذ كان مقصد الناس للترفيه المجاني، وها هي اليوم تستعيد طابونتها لمواجهة الازمة بالفطيرة.

على ما يبدو أن القلة الاقتصادية التي حشرت الحكومة اللبنانية الناس داخلها، أعادت الناس للجذور، بات مشوار النهر يتطلب ميزانية مرتفعة، بين اجرة طاولة وطعام ومقرمشات مرافقة، هذه المتطلبات استغنت عنها الحاجة ام علي مع عائلتها، وقررت ارتياد الوادي الاخضر بحثاً عن الهدوء، هرباً من ضجيج الازمات التي لم ترحم أحداً، أحضرت معها طابونتها و”لَكَنْ” العجين وأعدت البقلة وبدأت بتحضير الفطائر. وفق وجهة نظرها، “أجبرنا وقتنا العصيب على استعادة عاداتنا القديمة”، معتبرة أن “الأكلات القديمة ستكون وجهة معظم العائلات، اذ بات من الصعب احضار اللحم والدجاج للشواء، وبالتالي التركيز يقع على مناقيش الزعتر عالطابونة، الفطاير، مجدرة الرز والمجدرة الحمراء وغيرها من أكلات سادت قبل سنوات مضت، قبل أن تطيح بها وجبات الـ”فاست فود”. تنهمك ام علي بتحضير العجين، فهي قصدت النهر لتنسى هموم الحياة ومشاكلها، ايقنت أن الوضع صعب والآتي اخطر، غير ان ذلك لا يمنع وِفقها من لحظة هدوء في احضان الطبيعة،” من حقنا نفرح شوي ما بدنا نضل حاطين الحزن بالجرن وماشيين”. على ضفاف الوادي الأخضر الواقع بين عربصاليم وكفررمان، افترشت عشرات العائلات الارض، فالمنتزهات مكلفة واجرة الطاولة الواحدة تكلف 30 الف ليرة والعائلة تحتاج كحد أقصى طاولتين أي 60 الف ليرة، مضافاً اليها كلفة الطعام رفيق الرحلة، طعام فضّل كثر ان يكون من حواضر المنزل تخفيفاً لميزانية المشوار الذي اتخذ قراره فقط للترويح عن النفس وهرباً من ازمة البنزين والدواء والخبز المرتقبة. صحيح ان المغامرين في زمن الازمة قلّة، غير ان من حضر جاء لينسى وفق ما اشارت اليه فاطمة التي حضرت برفقة والدتها وأولادها، افترشت حصيرة قديمة وضعت عليها طبق مجدرة الرز مع المخللات والبندورة البلدية، ارادت أن تخفف وطأة الحر عن أولادها، قصدت المكان القريب من بلدتها عربصاليم، فغياب البنزين فرض ثقله على المشوار. تؤكد فاطمة أنها وجدت صعوبة في تأمين البنزين، برأيها “اختنقنا من جلسة المنزل، والمشوار مكلف كثيراً في هذه الأيام”، لم تحضّر لحوم الشواء ولا مرفقاتها، احضرت طبق المجدرة ومع ذلك “تكبدت ما يقارب الـ300 الف ليرة بين بطيخة وبعض المقرمشات للأولاد، للأسف أصبحنا نعيش في شريعة الغاب”.

يحاول الناس ترقيع حياتهم بالتي هي أحسن، يدركون ان الآتي أصعب، ومع ذلك يزاولون يومياتهم على قاعدة “هلق متوفر الهدوء قليلاً، غداً قد تسرق الازمات كل شيء” وبإنتظار ما ستولده الايام المقبلة، تبقى فطيرة ام علي هي الابرز على ضفة النهر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حادث مأساوي.. إبن الـ3 سنوات قتل شقيقه الرضيع بحجر على رأسه

اقدم طفل (3 سنوات) على قتل شقيقه الرضيع الذي يبلغ من العمر 10 أيام في ...