منوعات

عن صورة تُكَوِّن نفسها في زوايا الذاكرة: “معتقل أنصار”


كان ذلك في مسرح الأونيسكو في بيروت.. فرقة العاشقين الفلسطينية الشهيرة على المسرح، وأغنية تتلألأ في زوايا القلب والذاكرة:

“يموت البغي والطغيان ويحيا شعبنا […]

جمع الأسرى جمع بمعسكر أنصار”

في تلك الليلة، عدت جذلة إلى المنزل. كانت المرة الأولى التي أشهد فيها حفلًا مباشرًا لفرقة ثورية، وأستمع إلى أغانٍ وأناشيد لطالما هدهدت أيام طفولتي، وكان تُبَثّ من إذاعة “صوت القدس” على الراديو، من فلسطين.

***

جلست طويلًا أمام شاشة جهازي، حاولت أن أستذكر كلمات الأغنية. “جمع الأسرى + معسكر أنصار”، كانت تلك كلمات البحث مع صديقي غوغل، ووجدت الكثير الكثير.

أول ما وجدته كان كلمات بصوت معتقلين فلسطينيين (تسجيل للأسرى في سجن النقب- أغاني وطنية).

وبدأت جولتي.

“جمع الأسرى جمع في معسكر أنصار

والشمس لما بتطلع بتواعد الثوار

حبستوا جسم البطل ما حبستوش الروح

روحه بحجم الجبل تحمل عنا الجروح

إلليلي هبت نسمة يا نسمة ويا حنين

قولوا عني لأمي على العهود أمين

شمس الحرية فينا مين يحبس الشموس

والفجر بينادينا شو رح تعمل النفوس

سجن العدو ما يقدر يحجب عنا الاوطان

إحنا لفلسطين معبر حنا فدا الأوطان”

من الفيديوهات على يوتيوب إلى الصور على غوغل، وكان أبرزها: “حنظلة ناجي العلي، إلى جانبه معتقل وراء الأسلاك الشائكة للمعتقل، ويقول: كما أهدي سلامي إلى جميع المعتقلين في السجون العربية.. أنا بخير.. طمنوني عنكم”.

اعتقدت أنني وجدت ضالتي، صفحة على الفايسبوك باسم “معتقل أنصار”.. تجوّلت فيها طويلًا.. قرأت كل منشور وكلّ تعليق.. شاهدت كلّ صورة وكلّ فيديو..

غير أنّ قلبي لم يرتوِ بعد. لا بد لي من أن أزور معتقل أنصار، أن أقف في ذلك المكان، وأن يروي لي كل ما شهده.

بدأت بجمع المعلومات عن المعتقل، منها ما وجدته على ويكيبيديا، على الرغم من كونه مصدرًا غير موثوق، ومنها ما وجدته في أماكن أخرى. عرفت أن قوات الاحتلال أقامته بعد شهر تقريبًا من احتلالها جنوب لبنان، الذي بدأ في 6 حزيران/ يونيو من العام 1982، وافتتحته في 14 تموز/ يوليو من العام ذاته على أرض كانت منظمة التحرير الفلسطينية قد أنشأت عليها مطارًا أثناء الحرب الأهلية اللبنانية، استعمله الفلسطينيون لفترة وجيزة، ثم جاء الإسرائيليون واستعملوه مطارًا لوجستيًا أثناء الاجتياح، وحولوه إلى معسكر أقاموا فيه المعتقل الشهير في تلك الفترة.

في المرحلة الأولى من الاجتياح الإسرائيلي، كانت الأعداد الكبرى من المعتقلين هي ممن اعتقلتهم القوات الإسرائيلية من المخيمات الفلسطينية في لبنان، الذين لم يتمكَّنوا من الهرب إلى أماكن أخرى، وكان عددهم بضعة آلاف، بينهم بضعة مئات من اللبنانيين الذين اعتُقلوا في ظروف مختلفة.

وبعد أن أجبرت المقاومة اللبنانية القوات الإسرائيلية على الانسحاب من بيروت والجبل وصيدا والزهراني وصور والبقاع الغربي، اكتمل الأمر بإقفال معتقل أنصار في 4 أبريل/ نيسان 1985.

من ضمن ما وجدته، أننا لا نستطيع أن نتكلَّم عن معتقل أنصار من دون أن نستذكر ما يُسمّى “عملية الفرار الكبير”، وهي عملية تمت في 8 آب/ أغسطس من العام 1983، حين قاد المعتقل عاطف الدنف الملقب بـ”ثائر” عملية فرار من المعتقل على رأس مجموعة تضم 30 معتقلًا، ونجحوا بالفرار على الرغم من الحراسة المشددة وملاحقة ملالات وطائرات العدو الصهيوني لهم بعد اكتشاف فرارهم.

وكانت خطّة الفرار التي خطَّط لها وقادها [عاطف الدنف] تقوم على حفر نفق ترابي يمتدّ من إحدى الخيام داخل المعتقل إلى خارجه. وقد قام عشرون معتقلًا بالتناوب على حفر النفق الذي امتدّ طوله إلى 27 مترًا، وعمقه متران ونصف المتر، على الرّغم من الصعوبات التي واجهها المعتقلون أثناء حفر النفق، ومنها انقطاع الأوكسجين ووجود حجارة وصخور صلبة، وقد سُمّي النفق لاحقًا “نفق الحرية”.

بمجرد أن ذكرت اسم عاطف الدّنف، برزت صورة أخرى في أفق الخيال، تعلو فيها “الصرماية” على النجوم. لم ينقلب كوكب الأرض، لا ولا السماء. كل ما في الأمر، أنه، في أحد الأيام، علّق المحقق الصهيوني في معتقل أنصار، الشهيد (المعتقل آنذاك) عاطف الدنف، مرفوعًا على السلم بالمقلوب، وصاح به: “مبسوط يا مخرب؟”،

وكان لوقع رد فعله الصاعقة: “مبسوط كتير، لأنو صرمايتي فوق نجومك”.

لماذا معتقل أنصار؟ لأنه شغفني ثورة، لا بد لي من الذهاب إلى هناك، لأعرف سبب ذلك اللهب الذي اشتعل في قلبي فجأة. بدأت أسأل المحيطين من أقارب وأصدقاء، وكان الجواب مفاجئًا: “لم يعد هناك ما يُذكّر بالمعتقل.. هُدِم منذ زمن بعيد”.

صدمني ذلك، أنا التي أؤمن بأنه لا بد لنا من أن نخلد ذاكرة شعبنا بأدقّ تفاصيلها، أصابني غضب وإحباط شديد. حلّ المنتزه مكان المعتقل، والمكان الذي كان يُجدَر به حفظ الذاكرة تلاشى وغاب، غير أنني صمَّمت على أن أحيي تلك الصورة في رأسي. لن يستطيعوا أن يمحوا المعتقل من ذاكرتي كجنوبية، مهما كلّف الأمر.

قررت أن أبحث أكثر، وكانت المفاجأة! وجدت ما يروي غليلي، كان كتابًا حملني على جناحيه، وسافر بي إلى معتقل أنصار.

“مهاجر إلى أنصار”، كتاب للأستاذ لامع الحر، وهو أديب لبناني عاملي، وثّق بأحرفه أبشع الصور التي تعرض لها المعتقلون آنذاك، يقول فيه إنّ “أنصار ليس نزهة.. أنصار وحده أرّخ المرحلة الراهنة، ولسوف يؤرخ مراحل قادمة، ولسوف يمتد دافعًا لذلك الحلم الجميل”.

يقول لامع الحر: “أنصار الذي كتبته، لم أضخّم أحداثه، ولم أضف عليها بعضًا من خيالاتي، ولم أختلق حكايات لا أساس لها ولا وجود، ذلك لأن واقعنا غني ببطولات حقيقية، ولا يحتاج تجميلًا أو زخرفة أو تلفيقًا.

كتبت أنصاري، موافقًا لأنصاركم، لكنه لا يدعي الشمولية، ولا يستطيع أحد ادعاءها، ذلك لأنّ لكل أسير قصة، لكل خيمة تاريخًا، لكل زنزانة مسلسلًا، ولكل معسكر حياة حافلة ومختلفة.

في “مهاجر من أنصار” أنتم وأنا، وذلك الانصهار الذي يعانق الموج كلما هبت ريح”.

يقسم لامع الحر كتابه “مهاجر إلى أنصار” إلى قسمين:

الأول:

يتحدّث عن الفترة الممتدة من حزيران/ يونيو 1982 لغاية الأسبوع الأول من أيار/ مايو 1983، ويقول إنه اعتمد “في كتابة هذه المرحلة” على ما ورده “من معلومات تداولها الأسرى يوميًا كبراهين ساطعة على همجية الحضارة الصهيونية الزائفة”.

الثاني:

يتحدَّث عن “فترة اعتقالي الممتدة من أواخر نيسان/ أبريل 1983 لغاية يوم تبادل الأسرى العظيم بين منظمة التحرير الفلسطينية، والدولة المسماة “إسرائيل” الواقع فيه 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 1983″.

وجدت في أنصار، العربي الذي أحبّ، ذلك الذي، “رغم سطوة الجنود، ورغم شعورهم بالنصر، إلا أنهم كانوا يعرفون جيدًا [شجاعته] ويخافونها، كان أحدهم [الجنود الإسرائيليون] يحاول أن يرعب المعتقلين بقوله: “شوفوا.. أنا مجنون أكثر من العربي…”، كانوا يعرفون جيدًا، أنّ حياة الشّرفاء لا تساوي أكثر من موقف واحد جريء”.

ورأيت المعتقل بعين قلبي، تجسَّد في مخيلتي معتقل فيه “عشرون معسكرًا، مساحة المعسكر الواحد ألف وخمسمئة متر مربع، وفيه ثلاث عشرة خيمة. الأسلاك تحيط بالمعسكر من كل جانب، بين المعسكر وأخيه، طريق ترابية لمرور الدبابات والملالات والمجنزرات على اختلافها، وعلى علو أمتار معدودة برج للمراقبة، وأنت قابع داخل الأسوار، لا تستطيع نطقًا أو حراكًا”.

في أنصار، “افترش الأسرى الحجارة، التحفوا الهواء”.

في أنصار، كان في أيدي الأسرى “سلاسل، سميناها قلائد من جمان، لأنها الدليل الوحيد على استمرار شموخ الصنوبر وسط ذلك العري الفاضح، ولأنها الطريق الوحيد إلى تلك القصيدة التي اسمها “الوطن””.

في أنصار، صوّر لامع الحر بأحرفه حياة المعتقل:

“آلاف الأسرى في جزيرة اسمها “أنصار”.. كيف يعيشون؟ كيف ينظّمون أمورهم؟ ماذا يفعلون؟ كيف يقضون أوقاتهم؟

“الأوامر تنفّذ بحذافيرها”، تذكّر دائمًا، أنت أسير، ممنوع أن تقرأ، أن تحفظ، أن تصلّي، أن تسهر، أن تشرب، أن تنام، أن تأكل، أن تضحك، أن تتسلّق كل الجدران، لتبتلع الأسوار، وتمشي خلف جنازة قبطان الموت”.

“أنت أسير، وإسرائيل عدوة. ماذا ترجو إذًا؟”.

في أنصار، يوميات القهر الطويلة المجسّدة في كل التفاصيل والحيثيات، حيث على الأسير النوم عند الساعة الخامسة والنصف مساء، وأثناء النوم عليه الالتزام بالممنوعات التالية:

  • عدم الحركة وعدم محاولة رفع الرأس.
  • عدم مغادرة الخيمة لأي سبب كان.
  • عدم الذهاب إلى الحمام لقضاء الحاجة.
  • عدم التحدث إلى الزملاء.
  • عدم تذوق أي طعم للراحة، سوى راحة النوم الإلزامي.

“السهر لا يفيد، يضر بالصحة، وإسرائيل حريصة جدًا على صحتنا”.

في أنصار، يخاطبك صوت، لا تعلم من أين يأتي، غير أنّك تدرك أنه يحاول أن يثبط عزيمتك: “لكنك في الأسر، لا تستطيع ممارسة الطقوس، لا تستطيع مقابلة الله، ولا تستطيع تأدية الفرائض، لا شيخ، لا جامع، ولا مصلى. فقط السوط هو الحاكم الوحيد، في هذه الحضارة المتمكّنة”.

“أنصار، حيث العصا لمن عصى”، وفي أنصار، “الجوع عصا، القمع عصا، الأسلاك عصا، التذكار عصا، القراءة عصا، الفرح عصا، النوم عصا، العد الصباحي عصا، الزنزانات عصا، الكهرباء عصا، النوم فوق الحصى عصا، البرد عصا، الهاجرة عصا، والثورة على الأوضاع عصا”، غير أنَّ لسان حال الأسرى هو لسان حال كلّ حر: “في كلّ الأحوال هناك عصا”، لكنّك تردّ على ذلك الصوت: “سنثور، سنغيّر، سنطالب، سنقرع الجرس، سندق الباب، سنقتحم السور، سنعربش فوق ظلال القمر، وليكن العناق طويلًا أيتها العصا”.

تظاهرة نسائية، أرادت الأمهات والأخوات الاطمئنان على أبنائهنّ وإخوانهنّ وأزواجهنّ. في أنصار، صراخهن يتصاعد: “يا محمد، يا حسين، يا علي، يا عمر ، هل تسمعني؟”.

إحداهن شاهدت أسيرًا فوق خيمة، قالت له: “ابني الوحيد محمود.. هل تعرفه.. أخبره أن أمك هنا.. أريد التحدّث معه.. هل صحته جيدة”، وتصرخ بصوت أعلى: “محموووود، أنا أمك، تعال…”.

الكل سمع نداء، كلّنا محمود، أين أمهاتنا؟

صعّد العدو قمعه بغتة، هجم على النساء، أطلق النار إرهابًا، ألقى القنابل المسيلة للدموع، ومحمود لم يسمع صوت أمه. أخيرًا، لم يستطع محمود صمتًا. هبّ أنصار كلّه، صرخ بملء فيه: “الله أكبر، الله أكبر”. هجم على البوابات، زعزع الأسلاك، لم يخف رصاصهم، وصراخ النّسوة يتصاعد.

أطلق الجنود الرّصاص، أصيب بعض الأسرى، انهمرت الدماء غزيرة، وعلا الصوت “الله أكبر”. “رشقنا حجارة، أصابتهم، فكثّفوا نيرانهم. أصيب أحدنا في يمينه، فراشقهم في يسراه، ولم يسلّم. راشقهم في جبينه ولم يسلّم، راشقهم في صدره، ولم يسلّم، راشقهم في أسنانه، ولم يسلم. كان هذا الأسير “محمود” الذي لم ير أمه ولم يحدّثها، كما اشتهت واشتهى…”.

يومها، شهد المعتقل “انتفاضة على طريق البعث، طريق الكرامة، وطريق المروءة العربية الشامخة”، وكانت انتفاضة “يزوج أبناؤها تماثيل الحرية زواجًا غريب الوجه والقلب واليد واللّسان”.

ختام الشريط… عن التحدي الذي لا يتوقف

صُوَر أنصار لا تنتهي، وكتاب لامع الحر، المكوّن من 355 صفحة، يروي ويُصور الكثير الكثير… وهو يجسد كنه معتقل أنصار في قوله إن “المعاناة هي المعاناة، في أنصار، أو في بيروت، أو في أي مكان آخر، وأنصار ليس حلمًا، أنصار واقع عشناه، لنجسّده بقية عمرنا الآخر”.

“أنصار… شريان الدم الأحمر، عصب الحب الذي أبى أن ينكسر… والرماد الذي تحول جمرًا، قبل هدوء العاصفة”.

“أنصار، أراده الغزاة مقبرة لكل المناضلين، لكنَّه تحول – رغم أنفهم – إلى جامعة ثورية، خرّجت من أرضها الصلبة أشرس المناضلين، المساهمين في ولادة أول نقطة مضيئة في تاريخنا المظلم”.

“أنصار قصة لم تكتمل”، في رأيه، غير أنه لن يكمل قصة معتقل أنصار، وغيره من المعتقلات والسجون، “سوى الذين يتحدّون بأجسادهم جبروت المحتل”.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى