دير الزهراني/قضاء النبطية


بدأت البلدة القديمة تغادر موقعها القائم على تلة صغيرة حيث كانت تعيش في عزلة اختيارية تشرف على وادٍ جميل المنظر ( شمالي البلدة ) يتميز بسكونه وغابة سنديان تتسلق جنباته وتصِحُ أن تكون محمية طبيعية لما تحتوي من طيور وحيوانات برية بالإضافة إلى أنواع مختلفة من أشجار السنديان والملول والشربين والغار والدلب.


وهذا الوادي هو امتداد طبيعي لمجرى نبع ” الطاسة ” القادم من أسفل بلدة جرجوع وخلف بلدة عربصاليم وأطراف بلدتي حبوش وحومين الفوقا وصولاً إلى شرقي بلدة دير الزهراني مروراً بخراج بلدات بفروة وعزة وزفتا، وصولاً إلى مصبه في الزهراني مؤلفاً نهر الزهراني الذي خفت مياهه كثيراً في السنوات الماضية، وأصبحت تنضب صيفاّ.


أما حوض هذا النهر فتنتصب على جنباته وفي داخله الصخور النهرية الملساء وأشجار الدلب الخضراء الصافية الكثيرة الحركة المتناسقة القدود، وبعضها نبت من بين الصخور، كذلك تخرج من هذا الوادي الجميل بعض ينابيع الماء التي تشكل روافد نهر الزهراني وأهمها نبع ” شالوتا ” القديم العهد. وهنا تتحد الطبيعة الحرجية مع الطبيعة الصخرية لتشكل لوحات رائعة يعجز عن رسمها أبرع الفنانين.


بدأت دير الزهراني تنتشر أفقياً في مطلع الستينيات وتمتد إلى الضفة المقابلة – ناحية الجنوب لطريق النبطية – صيدا الرئيسي ، والذي يقطعها نصفين متوازيين طولاً من أول البلدة حتى آخرها بطول ثلاثة كيلومترات، مع مفارقة واحدة وهي نشوء حي جديد عند مدخل البلدة عند مدخل البلدة الشرقي الجنوبي ( ناحية بلدة حبوش ) يضم مجموعة من أبناء عرب الوزاني وعين عرب وأبناء بلدة هونين.


والبلدة القديمة في الأساس كانت من أملاك المشايخ الصعبيين وحاكمها الشيخ نصر الله الصعبي، أنشأ أول دار فيها في العام 1150هـ ولا تزال بوابته الرئيسية وواجهته الأساسية وقسمٌ منه قائماً ومأهولاً من أحفاده حتى الآن، ومعروف بدار آل الصعبي. كذلك قام الشيخ نصر الله بإنشاء بناء لعين المياه في البلدة وتوسيع مجاريها في العام 1163 هجرية حسب اللوحة الصخرية التي كانت موضوعة فوق العين والمحفورة عليها أبيات أربعة من الشعر تؤرخ لها.


أما تاريخ انتقال ملكية البلدة إلى أبناء الطائفة المارونية في مطلع القرن العشرين فلهذا قصة يرويها الشيخ حسن بن محمد الصعبي نقلاً عن أجداده: إنه خلال أحداث العام 1860م بين الدروز والمسيحيين التجأ عدد من العائلات المسيحية إلى بلدة دير الزهراني وبفروة – والأخيرة كانت من أملاك الصعبيين أيضاً – وكان برفقتهم رجال الدين، إلى دار يوسف بك الصعبي الذي حماهم لفترة من الزمن وأمّن انتقالهم بحراً عبر مرفأ الصرفند إلى مناطق آمنة، وذلك بعد أن لاحقهم عدد من الفرسان الدروز في محاولة لإبادتهم. وبعد انتهاء الحرب أرسلت مطرانية زحلة المسؤولة عن هؤلاء المسيحيين مبلغاً يقدر بـ 300 ليرة ذهبية كعربون وفاء وتقدير إلى الشيخ يوسف الذي رفض قبول المبلغ لأنه ليس من عادات المشايخ قبول أجر عن عمل الخير والمعروف، ولكن رسول المطرانية رفض إعادة المبلغ لأنه مأمور بإيصال الأمانة، فما كان من الشيخ يوسف نصر الله الصعبي إلا أن أقدم على تدوين صك يذكر فيه بأن هذا المبلغ هو دين للمطرانية بذمته، وبلدته دير الزهراني ومزرعة بفروة هي رهن حتى سداد المبلغ، ووقع الرسالة وسلمها إلى الرسول.


مرت السنوات وتوفي الشيخ يوسف وخلفه ابنه محمد الذي توفي فيما بعد، كما توفي المطران الذي حفظ صك الرهن، إلى أن جاءت فرنسا وحكمت البلاد ونقمت على الصعبيين بسبب قريبهم أدهم خنجر الذي أخذ يقاوم الفرنسيين في جبل عامل في ذلك الحين.

في هذه الحقبة عُثر على صك الرهن المودع في صندوق مطرانية الموارنة من قبل أحد الضباط الفرنسيين المقرب من إحدى العائلات المارونية من آل الفران والمقيمة في صيدا وبواسطتها تم استملاك جزء هام من بلدة دير الزهراني بالاضافة إلى بفروة من قبل آل فران وعائلات الحداد وعبدو والحلو وغيرها، وهم من قرى شرق مدينة صيدا وعلى الأثر قدمت بعض العائلات الأخرى إلى البلدة واستقرت وقامت ببناء حي خاص بها قي مطلع الثلاثينيات وأنشأت كنيسة صغيرة لها في غرفة بمنزل أميل الفران ومقبرة صغيرة شرقي البلدة.


وبعد فترة من الوقت بدأ المسيحيون ببيع الأراضي إلى سكان البلدة الذين كانوا يعملون في زراعتها بـ ” الحصة ” لصالح المالكين وذلك منذ مطلع الستينيات، ولم يبق لهم سوى جزء صغير من مساحة البلدة وبعض المنازل ، وأما السكان فلم يبق منهم أحد وعادوا إلى موطنهم الأصلي في منطقة صيدا وغيرها ، وكان عددهم في العام 1975م حوالي مئة نسمة. ولكن لغاية الآن يوجد العديد من العائلات مُسجلة في سجلات نفوس بلدة دير الزهراني.


مساحة البلدة عقارياً تبلع حوالى 10.000 دونم وترتفع عن سطح البحر 475م وتبعد عن مدينة النبطية 10 كلم، وعن العاصمة 69 كلم.

تتبع إدارياً للبلدة مزرعة البياض وهي مقسم عقاري مستقل ومساحتها حوالى 8000 دونم وتحتوي على نبع ماء ومساحات مزروعة بأشجار الزيتون، وهي ملك لآل الفران.

كذلك كانت بلدة دير الزهراني تشتهر بوجود خان عند مدخلها بُني أواخر القرن التاسع عشر لإيواء المسافرين والعابرين وهو ملك حسن طفيلي ( أبو موسى ) وقد تهدم أواسط الخمسينيات وعرف بـ ” خان البيدر ” .


يتجاوز عدد سكان البلدة 7000 نسمة وعدد ناخبيها 2115 ناخب ( لوائح الشطب لعام 2000م ) وعدد الوحدات السكنية حوالى 700 وحدة. وكانت الهجرة الأولى لأبناء البلدة من قبل المواطِنين علي إبراهيم جمول ومحمد حسن جمول إلى الأرجنتين خلال الحرب العالمية الأولى ثم حسن طفيلي وحسن إسماعيل حديب وحسن علي جعفر.

التسمية:

حسب الرواية الشعبية نسبة إلى الكنيسة البيزنطية التي وجدت فيها(أو الدير)، وإلى نهر الزهراني الذي يمر بجوارها. فمن هنا ظهرت التسمية دير الزهراني.

آثارها:

وُجدت منطقة أثرية فينيقية في الناحية الغربية من البلدة في منطقة ” الشحار ” وهي عبارة عن معاصر وأجران للخمر، كذلك بئر ماء، وبقايا فخاريات ومغاور مدفنية في منطقة ” اللوبيا ” شرقاً.

كما يوجد بقايا برج إلى الشمال الغربي عند أول منحدر وادي دير الزهراني.. كذلك مغارة في مرتفع يقع شمالاً يُدعى برج ” شالوتا ” وفي أسفله نبع ماء يدعى باسمه، ويقال بأن التسمية فينيقية. وعُثر على دير بيزنطي العهد في منطقة ” المعنقية ” وهي عند أطراف البلدة القديمة غرباً، وقد وجد فيه رسوم عدة من الفسيفساء وأدوات ذهبية تستخدم للقداديس.

الحالة العلمية والاجتماعية والثقافية

المدارس:

في مطلع القرن العشرين كان يُدرّس في كتاتيب البلدة وفي منزله كل من السيد أحمد جمول والشيخ محمود قبيسي، ثم علي خليل بدران وحسين محمد طفيلي فيما بعد وفي فترات مختلفة، والحاج علي حمادي ( نميرية ) وعلي حرقوص ( حاروف ) الذين بدأوا بتعليم الناشئة في البلدة في أواخر الثلاثينيات ومطلع الأربعينيات.

مع إفتتاح المدرسة الرسمية العام 1943م قِدِمَ إليها كمعلم منفرد كل من فؤاد رزق الله الحلو ( بفروة )، سعيد الشامية ( صيدا ).


في العام 1951م تم بناء غرفتين من قبل الأهالي وبنى سطحها موسى حسين طفيلي على حسابه الخاص. وعلّم فيها كل من الخوري خليل سمعان ( الكفور )، خليل نهرا ( بفروة )، سامي غبار ( إبل السقي )، يحي عبد الله، حنا ميلان ( الكفور )، غضبان نحلة ( النبطية ) لغاية العام 1964م ومن ثم استؤجرت عدة مبانِ في البلدة لصالح المدرسة الرسمية حتى إنشاء بناء حديث جداً مؤلف من ثلاثة أجنحة وبدأ التدريس فيه العام الدراسي 2000/2001م.

وتعاقب على الإدارة كل من: حنا ميلان 1964/1965م. خليل نهرا 1966/1969م. محمد علي طفيلي 1969/1976م. غضبان نحلة 1976/1981م. حسن روماني 1981/1993م. حسين طرابلسي 1993/1996م وحالياً محمد جميل طفيلي.

كانت أول دفعة من شهادة السرتفيكا في العام الدراسي 1964/1965م. وأول دفعة من البريفيه 1972/1973م.

وكانت ثانوية الصباح الرسمية ( النبطية ) انتقلت إلى مدرسة دير الزهراني لعام واحد 1977/1978م بسبب الأوضاع الأمنية المتدهورة في النبطية.

كذلك يوجد فرع لمدرسة ” القرآن الكريم ” في البلدة التي هي بإدارة كمال حسين طفيلي من أبناء البلدة، ومسؤول مدرسة ” القرآن الكريم “ في لبنان